الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

162

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وإنّما عطفت النجوى على السرّ مع أنّه أعمّ منها لينبئهم باطّلاعه على ما يتناجون به من الكيد والطعن . ثم عمّم ذلك بقوله : وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ أي قوي علمه لجميع الغيوب . والغيوب : جمع غيب وهو ما خفي وغاب عن العيان . وتقدّم قوله : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ في سورة البقرة [ 3 ] . [ 79 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 79 ] الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 79 ) استئناف ابتدائي ، نزلت بسبب حادث حدث في مدّة نزول السورة ، ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم حثّ الناس على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم ، وجاء عاصم بن عدي بأوسق كثيرة من تمر ، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر ، فقال المنافقون : ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلّا رياء وأحبّ أبو عقيل أن يذكّر بنفسه ليعطى من الصدقات فأنزل اللّه فيهم هذه الآية . فالذين يلمزون مبتدأ وخبره جملة سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ . واللمز : الطعن . وتقدّم في هذه السورة في قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ [ التوبة : 58 ] . وقرأه يعقوب - بضمّ الميم - كما قرأ قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ [ التوبة : 58 ] . و الْمُطَّوِّعِينَ أصله المتطوّعين ، أدغمت التاء في الطاء لقرب مخرجيهما . و فِي للظرفية المجازية بجعل سبب اللمز كالظرف للمسبّب . وعطف الذين لا يجدون إلّا جهدهم على المطوعين وهم منهم ، اهتماما بشأنهم والجهد - بضمّ الجيم - الطاقة . وأطلقت الطاقة على مسبّبها الناشئ عنها . وحذف مفعول يَجِدُونَ لظهوره من قوله : الصَّدَقاتِ أي لا يجدون ما يتصدّقون به إلّا جهدهم . والمراد لا يجدون سبيلا إلى إيجاد ما يتصدّقون به إلّا طاقتهم ، أي جهد أبدانهم . أو يكون وجد هنا هو الذي بمعنى كان ذا جدة ، أي غنى فلا يقدر له مفعول ، أي الذين