الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
163
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لا مال لهم إلّا جهدهم وهذا أحسن . وفيه ثناء على قوة البدن والعمل وأنّها تقوم مقام المال . وهذا أصل عظيم في اعتبار أصول الثروة العامة والتنويه بشأن العامل . والسخرية : الاستهزاء . يقال : سخر منه ، أي حصلت السخرية له من كذا ، فمن اتّصالية . واختير المضارع في يلمزون ويسخرون للدلالة على التكرر . وإسناد سخر إلى اللّه تعالى على سبيل المجاز الذي حسّنته المشاكلة لفعلهم ، والمعنى أنّ اللّه عاملهم معاملة تشبه سخرية الساخر ، على طريقة التمثيل ، وذلك في أن أمر نبيه بإجراء أحكام المسلمين على ظاهرهم زمنا ثم أمره بفضحهم . ويجوز أن يكون إطلاق سخر اللّه منهم على طريقة المجاز المرسل ، أي احتقرهم ولعنهم ولمّا كان كلّ ذلك حاصلا من قبل عبّر عنه بالماضي في سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ . وجملة : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ عطف على الخبر ، أي سخر منهم وقضى عليهم بالعذاب في الآخرة . [ 80 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 80 ] اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 80 ) هذا استئناف ابتدائي ليس متصلا بالكلام السابق ، وإنّما كان نزوله لسبب حدث في أحوال المنافقين المحكية بالآيات السالفة ، فكان من جملة شرح أحوالهم وأحكامهم ، وفي الآية ما يدلّ على أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يستغفر لهم . روى المفسّرون عن ابن عباس أنّه لمّا نزلت بعض الآيات السابقة في أحوالهم إلى قوله : سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ التوبة : 79 ] . قال فريق منهم : استغفر لنا يا رسول اللّه ، أي ممّن صدر منه عمل وبّخوا عليه في القرآن دون تصريح بأنّ فاعله منافق فوعدهم النبي عليه الصلاة والسلام بأن يستغفر للذين سألوه . وقال الحسن : كانوا يأتون رسول اللّه ، فيعتذرون إليه ، ويقولون : إن أردنا إلّا الحسنى . وذلك في معنى الاستغفار ، أي طلب محوما عدّ عليهم أنّه ذنب ، يريدون أنّه استغفار من ظاهر إيهام أفعالهم . وعن الأصمّ أنّ عبد اللّه بن أبي بن سلول لمّا ظهر ما ظهر من نفاقه وتنكّر الناس له من كلّ جهة لقيه