الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

144

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يظهر أن تكون هذه الآية احتراسا عن أن يظنّ المنافقون أنّ العفو المفروض لطائفة منهم هو عفو ينال فريقا منهم باقين على نفاقهم ، فعقب ذلك ببيان أنّ النفاق حالة واحدة وأنّ أصحابه سواء ، ليعلم بذلك أن افتراق أحوالهم بين عفو وعذاب لا يكون إلّا إذا اختلفت أحوالهم بالإيمان والبقاء على النفاق ، إلى ما أفادته الآية أيضا من إيضاح بعض أحوال النفاق وآثاره الدالّة على استحقاق العذاب ، ففصل هاته الجملة عن التي قبلها : إمّا لأنّها كالبيان للطائفة المستحقّة العذاب ، وإمّا أن تكون استئنافا ابتدائيا في حكم الاعتراض كما سيأتي عند قوله تعالى : كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ التوبة : 69 ] وإمّا أن تكون اعتراضا هي والتي بعدها بين الجملة المتقدمة وبين جملة كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً [ التوبة : 69 ] كما سيأتي هنالك . وزيد في هذه الآية ذكر الْمُنافِقاتُ تنصيصا على تسوية الأحكام لجميع المتّصفين بالنفاق : ذكورهم وإناثهم ، كيلا يخطر بالبال أن العفو يصادف نساءهم ، والمؤاخذة خاصّة بذكرانهم ، ليعلم الناس أنّ لنساء المنافقين حظّا من مشاركة رجالهنّ في النفاق فيحذروهنّ . و مِنْ في قوله : بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ اتّصالية دالّة على معنى اتّصال شيء بشيء وهو تبعيض مجازي معناه الوصلة والولاية ، ولم يطلق على ذلك اسم الولاية كما أطلق على اتّصال المؤمنين بعضهم ببعض في قوله : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [ التوبة : 71 ] لما سيأتي هنالك . وقد شمل قوله : بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ جميع المنافقين والمنافقات ، لأنّ كلّ فرد هو بعض من الجميع ، فإذا كان كلّ بعض متّصلا ببعض آخر ، علم أنّهم سواء في الأحوال . وجملة يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ مبيّنة لمعنى الاتّصال والاستواء في الأحوال . والمنكر : المعاصي لأنّها ينكرها الإسلام . والمعروف : ضدّها ، لأنّ الدين يعرفه ، أي يرضاه ، وقد تقدّما في قوله تعالى : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ في سورة آل عمران [ 104 ] . وقبض الأيدي : كناية عن الشحّ ، وهو وصف ذمّ لدلالته على القسوة ، لأنّ المراد الشحّ على الفقراء .