الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

145

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والنسيان منهم مستعار للإشراك باللّه ، أو للإعراض عن ابتغاء مرضاته وامتثال ما أمر به ، لأنّ الإهمال والإعراض يشبه نسيان المعرض عنه . ونسيان اللّه إيّاهم مشاكلة أي حرمانه إياهم ممّا أعدّ للمؤمنين ، لأنّ ذلك يشبه النسيان عند قسمة الحظوظ . وجملة : إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ فذلكة للتي قبلها فلذلك فصلت لأنّها كالبيان الجامع . وصيغة القصر في إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ قصر ادّعائي للمبالغة لأنّهم لمّا بلغوا النهاية في الفسوق جعل غيرهم كمن ليس بفاسق . والإظهار في مقام الإضمار في قوله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ لزيادة تقريرهم في الذهن لهذا الحكم . ولتكون الجملة مستقلّة حتّى تكون كالمثل . [ 68 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 68 ] وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 68 ) هذه الجملة إمّا استئناف بياني ناشئ عن قوله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ [ التوبة : 67 ] ، وإمّا مبيّنة لجملة فَنَسِيَهُمْ [ التوبة : 67 ] لأنّ الخلود في جهنم واللعن بيان للمراد من نسيان اللّه إيّاهم . والوعد أعمّ من الوعيد ، فهو يطلق على الإخبار بالتزام المخبر للمخبر بشيء في المستقبل نافع أو ضار أو لا نفع فيه ولا ضرّ هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ [ يس : 52 ] . والوعيد خاصّ بالضارّ . وفعل المضي هنا : إمّا للإخبار عن وعيد تقدّم وعده اللّه المنافقين والمنافقات تذكيرا به لزيادة تحقيقه وإمّا لصوغ الوعيد في الصيغة التي تنشأ بها العقود مثل ( بعت ووهبت ) إشعارا بأنّه وعيد لا يتخلّف مثل العقد والالتزام . والإظهار في مقام الإضمار لتقرير المحكوم عليه في ذهن السامع حتى يتمكّن اتّصافهم بالحكم . وزيادة ذكر الْكُفَّارَ هنا للدلالة على أنّ المنافقين ليسوا بأهون حالا من المشركين إذ قد جمع الكفر الفريقين .