الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
143
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الآتي وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ [ التوبة : 74 ] وهذا من لطائف القرآن . إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ . جاءت هذه الجملة على عادة القرآن في تعقيب النذارة بالتبشير للراغب في التوبة تذكيرا له بإمكان تدارك حاله . ولمّا كان حال المنافقين عجيبا كانت البشارة لهم مخلوطة ببقية النذارة ، فأنبأهم أنّ طائفة منهم قد يعفى عنها إذا طلبت سبب العفو : بإخلاص الإيمان ، وأنّ طائفة تبقى في حالة العذاب ، والمقام دالّ على أنّ ذلك لا يكون عبثا ولا ترجيحا بدون مرجّح ، فما هو إلّا أنّ طائفة مرجوّة الإيمان ، فيغفر عمّا قدّمته من النفاق ، وأخرى تصرّ على النفاق حتّى الموت ، فتصير إلى العذاب . والآيات الواردة بعد هذه تزيد ما دلّ عليه المقام وضوحا من قوله : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ - إلى قوله - عَذابٌ مُقِيمٌ [ التوبة : 67 ، 68 ] . وقوله بعد ذلك : فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [ التوبة : 74 ] . وقد آمن بعض المنافقين بعد نزول هذه الآية ، وذكر المفسّرون من هذه الطائفة مخشيّا « 1 » بن حميّر الأشجعي لمّا سمع هذه الآية تاب من النفاق ، وحسن إسلامه ، فعدّ من الصحابة ، وقد جاهد يوم اليمامة واستشهد فيه ، وقد قيل : إنّه المقصود « بالطائفة » دون غيره فيكون من باب إطلاق لفظ الجماعة على الواحد في مقام الإخفاء والتعمية كقوله صلى اللّه عليه وسلم « ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب اللّه » . وقد توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفي المدينة بقية من المنافقين وكان عمر بن الخطاب في خلافته يتوسّمهم . والباء في بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ للسببية ، والمجرم الكافر . وقرأ الجمهور يعف وتعذب ببناء الفعلين إلى النائب ، وقرأه عاصم - بالبناء للفاعل وبنون العظمة في الفعلين ونصب طائِفَةٍ الثاني . [ 67 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 67 ] الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 67 )
--> ( 1 ) بميم مفتوحة وخاء معجمة ساكنة وياء مشددة ، وحمير بحاء مهملة مضمومة وميم مفتوحة وتحتية مشددة . وفي « سيرة ابن إسحاق » ومخشن بنون من آخره وبفتح الشين وقد ذكر اسمه آنفا عند تفسير قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [ التوبة : 65 ] .