الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
137
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الإشارة إلى التفرقة بين الإرضاءين ، ومنه قول ضابئ بن الحارث : ومن يك أمسى بالمدينة رحله * فإنّي وقيّار بها لغريب التقدير : فإنّي لغريب وقيار بها غريب أيضا . لأنّ إحدى الغربتين مخالفة لأخراهما . والضمير المنصوب في يُرْضُوهُ عائد إلى اسم الجلالة ، لأنّه الأهمّ في الخبر ، ولذلك ابتدئ به ، ألا ترى أنّ بيت ضابئ قد جاء في خبره المذكور لام الابتداء الذي هو من علائق ( إنّ ) الكائنة في الجملة الأولى ، دون الجملة الثانية ، وهذا الاستعمال هو الغالب . وشرط إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ، مستعمل للحثّ والتوقّع لإيمانهم ، لأنّ ما حكي عنهم من الأحوال لا يبقى معه احتمال في إيمانهم ، فاستعمل الشرط للتّوقع وللحثّ على الإيمان . وفيه أيضا تسجيل عليهم ، إن أعادوا مثل صنيعهم ، بأنّهم كافرون باللّه ورسوله ، وفيه تعليم للمؤمنين وتحذير من غضب اللّه ورسوله . [ 63 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 63 ] أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ( 63 ) هذه الجملة تتنزل من جملة وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [ التوبة : 62 ] منزلة التعليل ، لأنّ العاقل لا يرضى لنفسه عملا يؤول به إلى مثل هذا العذاب ، فلا يقدم على ذلك إلّا من لا يعلم أنّ من يحادد اللّه ورسوله يصير إلى هذا المصير السيّئ . والاستفهام مستعمل في الإنكار والتشنيع ، لأنّ عدم علمهم بذلك محقّق بضرورة أنّهم كافرون بالرسول ، وبأنّ رضى اللّه عند رضاه ولكن لمّا كان عدم علمهم بذلك غريبا لوجود الدلائل المقتضية أنّه ممّا يحقّ أن يعلموه ، كان حال عدم العلم به حالا منكرا . وقد كثر استعمال هذا ونحوه في الإعلام بأمر مهمّ ، كقوله في هذه السورة : أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [ التوبة : 104 ] وقوله : أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ [ التوبة : 78 ] وقول مويال بن جهم المذحجي ، أو مبشر بن هذيل الفزاري : ألم تعلمي يا عمرك اللّه أنّني * كريم على حين الكرام قليل فكأنّه قيل : فليعلموا أنّه من يحادد اللّه إلخ . والضمير المنصوب ب أَنَّهُ ضمير الشأن ، وفسّر الضمير بجملة مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ