الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

138

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إلى آخرها . والمعنى : ألم يعلموا شأنا عظيما هو من يحادد اللّه ورسوله له نار جهنّم . وفكّ الدّالان من يُحادِدِ ولم يدغما لأنّه وقع مجزوما فجاز فيه الفكّ والإدغام ، والفكّ أشهر وأكثر في القرآن ، وهو لغة أهل الحجاز ، وقد ورد فيه الإدغام نحو قوله : وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ في سورة الحشر [ 4 ] في قراءة جميع العشرة وهو لغة تميم . والمحادّة : المعاداة والمخالفة . والفاء في فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ لربط جواب شرط مَنْ . وأعيدت فَأَنَّ في الجواب لتوكيد أن المذكورة قبل الشرط توكيدا لفظيا ، فإنّها لما دخلت على ضمير الشأن وكانت جملة الشرط وجوابه تفسيرا لضمير الشأن ، كان حكم أَنْ ساريا في الجملتين بحيث لو لم تذكر في الجواب لعلم أنّ فيه معناها ، فلمّا ذكرت كان ذكرها توكيدا لها ، ولا ضير في الفصل بين التأكيد والمؤكّد بجملة الشرط ، والفصل بين فاء الجواب ومدخولها بحرف ، إذ لا مانع من ذلك ، ومن هذا القبيل قوله تعالى : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [ النحل : 119 ] وقول الحماسي ، وهو أحد الأعراب : وإنّ امرأ دامت مواثيق عهده * على مثل هذا إنّه لكريم و جَهَنَّمَ تقدّم ذكرها عند قوله تعالى : فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ في سورة البقرة [ 206 ] . والإشارة بذلك إلى المذكور من العذاب أو إلى ضمير الشأن باعتبار تفسيره . والمقصود من الإشارة : تمييزه ليتقرّر معناه في ذهن السامع . و الْخِزْيُ الذلّ والهوان ، وتقدّم عند قوله تعالى : فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا في سورة البقرة [ 85 ] . [ 64 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 64 ] يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ ( 64 ) استئناف ابتدائي لذكر حال من أحوال جميع المنافقين كما تقدم في قوله : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ [ التوبة : 62 ] وهو إظهارهم الإيمان بالمعجزات وإخبار اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالمغيبات .