الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

116

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والإتيان بأداة الاستفتاح في جملة أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا للتنبيه على ما بعدها من عجيب حالهم إذ عاملهم اللّه بنقيض مقصودهم فهم احترزوا عن فتنة فوقعوا في الفتنة . فالتعريف في الفتنة ليس تعريف العهد إذ لا معهود هنا ، ولكنّه تعريف الجنس المؤذن بكمال المعرّف في جنسه ، أي في الفتنة العظيمة سقطوا ، فأيّ وجه فرض في المراد من الفتنة حين قال قائلهم وَلا تَفْتِنِّي كان ما وقع فيه أشدّ ممّا تفصّى منه ، فإن أراد فتنة الدين فهو واقع في أعظم الفتنة بالشرك والنفاق ، وإن أراد فتنة سوء السمعة بالتخلّف فقد وقع في أعظم بافتضاح أمر نفاقهم ، وإن أراد فتنة النكد بفراق الأهل والمال فقد وقع في أعظم نكد بكونه ملعونا مبغوضا للناس . وتقدّم بيان الْفِتْنَةِ قريبا . والسقوط مستعمل مجازا في الكون فجأة على وجه الاستعارة : شبّه ذلك الكون بالسقوط في عدم التهيّؤ له وفي المفاجأة باعتبار أنّهم حصلوا في الفتنة في حال أمنهم من الوقوع فيها ، فهم كالساقط في هوّة على حين ظنّ أنّه ماش في طريق سهل ومن كلام العرب « على الخبير سقطت » . وتقديم المجرور على عامله ، للاهتمام به لأنّه المقصود من الجملة . وهذه الجملة تسير مسرى المثل . وجملة وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ معترضة والواو اعتراضية ، أي وقعوا في الفتنة المفضية إلى الكفر . والكفر يستحقّ جهنّم . وإحاطة جهنّم مراد منها عدم إفلاتهم منها ، فالإحاطة كناية عن عدم الإفلات . والمراد بالكافرين : جميع الكافرين فيشمل المتحدّث عنهم لثبوت كفرهم بقوله : إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ التوبة : 45 ] . ووجه العدول عن الإتيان بضميرهم إلى الإتيان بالاسم الظاهر في قوله : لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ إثبات إحاطة جهنّم بهم بطريق شبيه بالاستدلال ، لأنّ شمول الاسم الكلي لبعض جزئياته أشهر أنواع الاستدلال . [ 50 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 50 ] إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ( 50 ) تتنزل هذه الجملة منزلة البيان لجملة إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ