الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

117

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [ التوبة : 45 ] ، وما بين الجملتين استدلال على كذبهم في ما اعتذروا به وأظهروا الاستيذان لأجله ، وبيّن هنا أن تردّدهم هو أنّهم يخشون ظهور أمر المسلمين ، فلذلك لا يصارحونهم بالإعراض ويودّون خيبة المؤمنين ، فلذلك لا يحبّون الخروج معهم . والحسنة : الحادثة التي تحسن لمن حلّت به واعترته . والمراد بها هنا النصر والغنيمة . والمصيبة مشتقّة من أصاب بمعنى حلّ ونال وصادف ، وخصت المصيبة في اللغة بالحادثة التي تعتري الإنسان فتسوؤه وتحزنه . ولذلك عبّر عنها بالسيئة في قوله تعالى ، في سورة آل عمران [ 120 ] : إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها . والمراد بها الهزيمة في الموضعين ، وقد تقدّم ذلك في قوله تعالى : ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ في سورة الأعراف [ 95 ] . وقولهم : قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ ابتهاج منهم بمصادفة أعمالهم ما فيه سلامتهم فيزعمون أنّ يقظتهم وحزمهم قد صادفا المحز ، إذ احتاطوا له قبل الوقوع في الضرّ . والأخذ حقيقته التناول ، وهو هنا مستعار للاستعداد والتلافي . والأمر الحال المهمّ صاحبه ، أي : قد استعددنا لما يهمّنا فلم نقع في المصيبة . والتولّي حقيقته الرجوع ، وتقدم في قوله تعالى : وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ في سورة البقرة [ 205 ] . وهو هنا تمثيل لحالهم في تخلّصهم من المصيبة ، التي قد كانت تحل بهم لو خرجوا مع المسلمين ، بحال من أشرفوا على خطر ثم سلموا منه ورجعوا فارحين مسرورين بسلامتهم وبإصابة أعدائهم . [ 51 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 51 ] قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 51 ) تلقين جواب لقولهم : قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ [ التوبة : 50 ] المنبئ عن فرحهم بما ينال المسلمين من مصيبة بإثبات عدم اكتراث المسلمين بالمصيبة وانتفاء حزنهم عليها لأنّهم يعلمون أن ما أصابهم ما كان إلّا بتقدير اللّه لمصلحة المسلمين في ذلك ، فهو نفع محض كما تدلّ عليه تعدية فعل كَتَبَ باللام المؤذنة بأنّه كتب ذلك لنفعهم وموقع هذا