الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

82

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أظهركم فلا يضركم ما صنع . وموقع الواو في قوله وَيَمْكُرُونَ لم أر أحدا من المفسرين عرج على بيانه وهي تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون واو الحال ، والجملة حال من الَّذِينَ كَفَرُوا وهي حال مؤسسة غير مؤكدة ، باعتبار ما اتصل بها من الجملة المعطوفة عليها ، وهي جملة : وَيَمْكُرُ اللَّهُ فقوله : وَيَمْكُرُ اللَّهُ هو مناط الفائدة من الحال وما قبله تمهيد له وتنصيص على أن مكرهم يقارنه مكر اللّه بهم ، والمضارع في يَمْكُرُونَ و يَمْكُرُ اللّه لاستحضار حالة المكر . وثانيهما : أن تكون واو الاعتراض أي العطف الصوري ، ويكون المراد بالفعل المعطوف الدوام أي هم مكروا بك لثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك وهم لا يزالون يمكرون كقول كعب بن الأشرف لمحمد بن مسلمة « وأيضا لتملّنه » يعني النبي ، فتكون جملة وَيَمْكُرُونَ معترضة ويكون جملة : وَيَمْكُرُ اللَّهُ معطوفة على جملة : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا والمضارع في جملة : وَيَمْكُرُونَ للاستقبال والمضارع في وَيَمْكُرُ اللَّهُ لاستحضار حالة مكر اللّه في وقت مكرهم مثل المضارع المعطوف هو عليه . وبيان معنى إسناد المكر إلى اللّه تقدم : في آية سورة آل عمران [ 54 ] وآية سورة الأعراف [ 99 ] وكذلك قوله : وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ . والذين تولوا المكر هم سادة المشركين وكبراؤهم وأعوان أولئك الذين كان دأبهم الطعن في نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وفي نزول القرآن عليه ، وإنما أسند إلى جميع الكافرين لأن البقية كانوا أتباعا للزعماء يأتمرون بأمرهم ، ومن هؤلاء أبو جهل ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأمية بن خلف ، وأضرابهم . [ 31 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 31 ] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 31 ) انتقال إلى ذكر بهتان آخر من حجاج هؤلاء المشركين ، لم تزل آيات هذه السورة يتخللها أخبار كفرهم من قوله : وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ [ الأنفال : 7 ] - وقوله - ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الأنفال : 13 ] - وقوله - فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [ الأنفال : 17 ] -