الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

83

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله - وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [ الأنفال : 21 ] - ثم بقوله - وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الأنفال : 30 ] . وهذه الجمل عطف على جملة : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ [ الأنفال : 23 ] . وهذا القول مقالة المتصدين للطعن على الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ومحاجته ، والتشغيب عليه : منهم النضر بن الحارث ، وطعمية بن عدي ، وعقبة بن أبي معيط . ومعنى قَدْ سَمِعْنا : قد فهمنا ما تحتوي عليه ، لو نشاء لقلنا مثلها وإنما اهتموا بالقصص ولم يتبيّنوا مغزاها ولا ما في القرآن من الآداب والحقائق ، فلذلك قال اللّه تعالى عنهم كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [ الأنفال : 21 ] أي لا يفقهون ما سمعوا . ومن عجيب بهتانهم أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم تحدّاهم بمعارضة سورة من القرآن ، فعجزوا عن ذلك وأفحموا ، ثم اعتذروا بأن ما في القرآن أساطير الأولين وأنهم قادرون على الإتيان بمثل ذلك - قيل : قائل ذلك هو النضر بن الحارث من بني عبد الدار ، كان رجلا من مردة قريش ومن المستهزئين ، وكان كثير الأسفار إلى الحيرة وإلى أطراف بلاد العجم في تجارته ، فكان يلقى بالحيرة ناسا من العباد ( بتخفيف الباء اسم طائفة من النصارى ) فيحدثونه من أخبار الإنجيل ويلقى من العرب من ينقل أسطورة حروب ( رستم ) و ( إسفنديار ) « 1 » من ملوك الفرس في قصصهم الخرافي ، وإنما كانت تلك الأخبار تترجم للعرب باللسان ويستظهرها قصاصهم وأصحاب النوادر منهم ولم يذكر أحد أن تلك الأخبار كانت مكتوبة بالعربية ، فيما أحسب ، إلّا ما وقع في « الكشاف » أن النضر بن الحارث جاء بنسخة من خبر ( رستم ) و ( اسفندياذ ) ولا يبعد أن يكون بعض تلك الأخبار

--> ( 1 ) اسفندياذ بهمزة قطع مكسورة ، فسين مهملة ساكنة ، ففاء أخت القاف وقد يكتب بباء موحدة عوض الفاء لأن الباء الفارسية منطقها بين الباء والفاء العربية فكثيرا ما تعرب بالفاء وبالباء وهي مفتوحة وبعضهم يضبطها بالكسر ، ثم دال مهملة مكسورة ، فتحتية ، وآخره ذال معجمة كذا نطق به العرب وكذلك كتب في « تفسير ابن عطية » ، وهو في العجمية براء في آخره قاله التفتازاني في « شرح الكشاف » . قلت : وهو في « الكشاف » وفي « سيرة ابن هشام » بالراء وهو إسفنديار بن ( كشتاسب ) من العائلة الكيانيين من ملوك الفرس لأن أسماء ملوكها مفتتحه بكلمة ( كي ) أولهم ( كيقباذ ) وفي زمن ( كشتاسب ) ظهر ( زرادشت ) صاحب الديانة الشهيرة في الفرس قبل الإسلام ، وأخبار حروب إسفنديار مع رستم وكلهم من ملوك الطوائف بفارس وكان رستم ملك بلاد الترك .