الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
72
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وبهذا تعلم أن الفتنة قد تكون عقابا من اللّه تعالى في الدنيا ، فهي تأخذ حكم العقوبات الدنيوية التي تصيب الأمم ، فإن من سنتها أن لا تخص المجرمين إذا كان الغالب على الناس هو الفساد ، لأنها عقوبات تحصل بحوادث كونية يستتب في نظام العالم الذي سنه اللّه تعالى في خلق هذا العالم أن يوزع على الأشخاص كما ورد في حديث النهي عن المنكر في الصحيح : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « مثل القائم على حدود اللّه والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم فقالوا : لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا » و في « صحيح مسلم » عن زينب بنت جحش أنها قالت : « يا رسول اللّه أنهلك وفينا الصالحون - قال : نعم إذا كثر الخبث ثم يحشرون على نياتهم » . وحرف لا في قوله : لا تُصِيبَنَّ نهي بقرينة اتصال مدخولها بنون التوكيد المختصة بالإثبات في الخبر وبالطلب ، فالجملة الطلبية : إما نعت ل فِتْنَةً بتقدير قول محذوف ، ومثله وارد في كلام العرب كقول العجاج : حتى إذا جن الظلام واختلط * جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط أي مقول فيه . وباب حذف القول باب متسع ، وقد اقتضاه مقام المبالغة في التحذير هنا والاتقاء - من الفتنة فأكد الأمر باتقائها بنهيها هي عن إصابتها إياهم ، لأن هذا النهي من أبلغ صيغ النهي بأن يوجه النهي إلى غير المراد نهيه تنبيها له على تحذيره من الأمر المنهي عنه في اللفظ ، والمقصود تحذير المخاطب بطريق الكناية لأن نهي ذلك المذكور في صيغة النهي يستلزم تحذير المخاطب فكأنّ المتكلم يجمع بين نهيين ، ومنه قول العرب : لا أعرفنّك تفعل كذا ، فإنه في الظاهر المتكلم نفسه عن فعل المخاطب ، ومنه قوله تعالى : لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ [ الأعراف : 27 ] ويسمى هذا بالنهي المحول ، فلا ضمير في النعت بالجملة الطلبية . ويجوز أن تكون جملة : لا تُصِيبَنَّ نهيا مستأنفا تأكيدا للأمر باتقائها مع زيادة التحذير بشمولها من لم يكن من الظالمين . ولا يصح جعل جملة : لا تُصِيبَنَّ جوابا للأمر في قوله : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لأنه يمنع منه قوله : الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وإنما كان يجوز لو قال : « لا تصيبنكم » كما يظهر