الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

73

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بالتأمل ، وقد أبطل في « مغني اللبيب » جعل ( لا ) نافية هنا ، ورد على الزمخشري تجويزه ذلك . و خَاصَّةً اسم فاعل مؤنث لجريانه على فِتْنَةً فهو منتصب على الحال من ضمير تُصِيبَنَّ وهي حال مفيدة لأنها المقصود من التحذير . وافتتاح جملة : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ بفعل الأمر بالعلم للاهتمام لقصد شدة التحذير ، كما تقدم آنفا في قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [ الأنفال : 24 ] والمعنى أنه شديد العقاب لمن يخالف أمره ، وذلك يشمل من يخالف الأمر بالاستجابة . [ 26 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 26 ] وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 26 ) عطف على الأمر بالاستجابة للّه فيما يدعوهم إليه ، وعلى إعلامهم بأن اللّه لا تخفى عليه نياتهم ، وعلى التحذير من فتنة الخلاف على الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، تذكيرهم بنعمة اللّه عليهم بالعزة والنصر ، بعد الضعف والقلة والخوف ، ليذكروا كيف يسر اللّه لهم أسباب النصر من غير مظانها ، حتى أوصلهم إلى مكافحة عدوهم وأن يتقي أعداؤهم بأسهم ، فكيف لا يستجيبون للّه فيما بعد ذلك ، وهم قد كثروا وعزوا وانتصروا ، فالخطاب للمؤمنين يومئذ ، ومجيء هذه الخطابات بعد وصفهم بالذين آمنوا إيماء إلى أن الإيمان هو الذي ساق لهم هذه الخيرات كلها ، وأنه سيكون هذا أثره فيهم كلما احتفظوا عليه كفوه من قبل سؤالهم ، ومن قبل تسديد حالهم ، فكيف لا يكونون بعد ترفّه حالهم أشد استجابة وأثبت قلوبا . وفعل وَاذْكُرُوا مشتق من الذكر - بضم الدال - وهو التذكر لا ذكر اللسان ، أي تذكروا . و إِذْ اسم زمان مجرد عن الظرفية ، فهو منصوب على المفعول به ، أي اذكروا زمن كنتم قليلا . وجملة : أَنْتُمْ قَلِيلٌ مضاف إليها إِذْ ليحصل تعريف المضاف ، وجيء بالجملة اسمية للدلالة على ثبات وصف القلة والاستضعاف فيهم . وأخبر ب قَلِيلٌ وهو مفرد عن ضمير الجماعة لأن قليلا وكثيرا قد يجيئان غير