الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
60
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أَكِنَّةً [ الأنعام : 25 ] ، وعن ابن عباس أن المراد بهم نفر من قريش ، وهم بنو عبد الدار بن قصي ، كانوا يقولون : نحن صم بكم عما جاء به محمد ، فلم يسلم منهم إلّا رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة ، وبقيتهم قتلوا جميعا في أحد ، وكانوا أصحاب اللواء في الجاهلية ، ولكن هؤلاء لم يقولوا سمعنا بل قالوا : نحن صم بكم ، فلا يصح أن يكونوا هم المراد بهذه الآية بل المراد طوائف من المشركين ، وقيل : المراد بهم اليهود ، وقد عرفوا بهذه المقالة ، واجهوا بها النبي صلى اللّه عليه وسلم قال تعالى : وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا [ النساء : 46 ] وقيل : أريد المنافقون قال تعالى : وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ [ النساء : 81 ] وإنما يقولون سمعنا لقصد إيهام الانتفاع بما سمعوا ، لأن السمع يكنى به عن الانتفاع بالمسموع وهو مضمون ما حكي عنهم من قولهم طاعَةٌ ولذلك نفي عنهم السمع بهذا المعنى بقوله : وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ أي لا ينتفعون بما سمعوه ، فالمعنى هو معنى السمع الذي أرادوه بقولهم : سَمِعْنا وهو إيهامهم أنهم مطيعون ، فالواو في قوله : وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ واو الحال . وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للاهتمام به ليتقرر مفهومه في ذهن السامع فيرسخ اتصافه بمفهوم المسند ، وهو انتفاء السمع عنهم ، على أن المقصود الأهم من قوله : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ هو التعريض بأهل هذه الصلة من الكافرين أو المنافقين لا خشية وقوع المؤمنين في مثل ذلك . وصيغ فعل لا يَسْمَعُونَ بصيغة المضارع لإفادة أنهم مستمرون على عدم السمع ، فلذلك لم يقل وهم لم يسمعوا . وجملة : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ معترضة ، وسوقها في هذا الموضع تعريض بالذين قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ بأنهم يشبهون دواب صماء بكماء . والتعريض قد يكون كناية وليس من أصنافها فإن بينه وبين الكناية عموما وخصوصا وجهيا ، لأن التعريض كلام أريد به لازم مدلوله ، وأما الكناية فهي لفظ مفرد يراد به لازم معناه إما الحقيقي كقوله تعالى : وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ [ الزمر : 12 ] ، وإما المجازي نحو قولهم للجواد : جبان الكلب إذا لم يكن له كلب ، فأما التعريض فليس إرادة لازم معنى لفظ مفرد ولا لازم معنى تركيب ، وإنما هو إرادة لنطق المتكلم بكلامه ، قال في « الكشاف » عند قوله تعالى : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ في سورة