الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
61
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
البقرة [ 235 ] التعريض أن تذكر شيئا يدل به على شيء لم تذكره يريد أن تذكر كلاما دالا كما يقول المحتاج لغيره جئت لأسلم عليك . قلت : ومن أمثلة التعريض قول القائل - حين يسمع رجلا يسب مسلما أو يضربه - : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، فكذلك قوله تعالى : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ لم يرد به لازم معنى ألفاظ ولا لازم معنى الكلام ، ولكن أريد به لازم النطق به في ذلك المكان بدون مقتض للإخبار من حقيقة ولا مجاز ولا تمثيل . والفرق بين التعريض وبين ضرب المثل : أن ضرب المثل ذكر كلام يدل على تشبيه هيئة مضربه بهيئة مورده ، والتعريض ليس فيه تشبيه هيئة بهيئة . فالتعريض كلام مستعمل في حقيقته أو مجازه ، ويحصل به قصد التعريض من قرينة سوقه فالتعريض من مستتبعات التراكيب . وهذه الآية تعريض بتشبيههم بالدواب ، فإن الدواب ضعيفة الإدراك ، فإذا كانت صماء كانت مثلا في انتفاء الإدراك ، وإذا كانت مع ذلك بكما انعدم منها ما انعدم منها ما يعرف به صاحبها ما بها ، فانضم عدم الإفهام إلى عدم الفهم ، فقوله : الصُّمُّ الْبُكْمُ خبران عن الدواب بمعناهما الحقيقي ، وقوله : الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ خبر ثالث ، وهذا عدول عن التشبيه إلى التوصيف لأن الَّذِينَ مما يناسب المشبّهين إذ هو اسم موصول بصيغة جمع العقلاء وهذا تخلص إلى أحوال المشبهين كما تخلص طرفة في قوله : خذول تراعي ربربا بخميلة * تناول أطراف البرير وترتدي وتبسم عن ألمى كأنّ منوّرا * توسط حر الرمل دعص له ندي و شَرَّ اسم تفضيل ، وأصله « أشر » فحذفت همزته تخفيا كما حذفت همزة خير كقوله تعالى : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ [ المائدة : 60 ] الآية . والمراد بالدواب معناه الحقيقي ، وظاهر أن الدابة الصمّاء البكماء أخسّ الدواب . عِنْدَ اللَّهِ قيد أريد به زيادة تحقيق كونهم ، أشر الدواب بأن ذلك مقرر في علم اللّه ، وليس مجرد اصطلاح ادعائي ، أي هذه هي الحقيقة في تفاضل الأنواع لا في تسامح العرف والاصطلاح ، فالعرف يعد الإنسان أكمل من البهائم ، والحقيقة تفصل حالات الإنسان فالإنسان المنتفع بمواهبه فيما يبلغه إلى الكمال هو بحق أفضل من العجم ، والإنسان الذي دلّى بنفسه إلى حضيض تعطيل انتفاعه بمواهبه السامية يصير أحط من