الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
59
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والتعريف بالموصولية في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا للتنبيه على أن الموصوفين بهذه الصلة من شأنهم أن يتقبلوا ما سيؤمرون به ، وأنه كما كان الشرك مسببا لمشاقة للّه ورسوله في قوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الأنفال : 13 ] ، فخليق بالإيمان أن يكون باعثا على طاعة اللّه ورسوله ، فقوله هنا : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يساوي قوله في الآية المردود إليها : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ الأنفال : 1 ] ، مع الإشارة هنا إلى تحقق وصف الإيمان فيهم وأن إفراغه في صورة الشرط في الآية السابقة ما قصد منه إلّا شحذ العزائم ، وبذلك انتظم هذا الأسلوب البديع في المحاورة من أول السورة إلى هنا انتظاما بديعا معجزا . والطاعة امتثال الأمر والنهي . والتولي الانصراف ، وتقدم آنفا ، وهو مستعار هنا للمخالفة والعصيان . وإفراد الضمير المجرور ب ( عن ) لأنه راجع إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، إذ هذا المناسب للتولي بحسب الحقيقة . فإفراد الضمير هنا يشبه ترشيح الاستعارة ، وقد علم أن النهي عن التولي عن الرسول نهي عن الإعراض عن أمر اللّه لقوله : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ الأعراف : 80 ] وأصل تَوَلَّوْا تتولوا - بتاءين حذفت إحداهما تخفيفا . وجملة : وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ في موضع الحال من ضمير تَوَلَّوْا والمقصود من هذه الحال تشويه التولي المنهي عنه ، فإن العصيان مع توفر أسباب الطاعة أشد منه في حين انخرام بعضها . فالمراد بالسمع هنا حقيقته أي في حال لا يعوزكم ترك التولي بمعنى الإعراض - وذلك لأن فائدة السمع العمل بالمسموع ، فمن سمع الحق ولم يعمل به فهو الذي لا يسمع سواء في عدم الانتفاع بذلك المسموع ، ولما كان الأمر بالطاعة كلام يطاع ظهر موقع وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ فلما كان الكلام الصادر من اللّه ورسوله من شأنه أن يقبله أهل العقول كان مجرد سماعه مقتضيا عدم التولي عنه ، ضمن تولى عنه بعد أن سمعه فأمر عجب ثم زاد في تشويه التولي عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالتحذير من التشبه بفئة ذميمة يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام : سمعنا ، وهم لا يصدقونه ولا يعملون بما يأمرهم وينهاهم . و ( إن ) للتمثيل والتنظير في الحسن والقبيح أثرا عظيما في حث النفس على التشبه أو التجنب ، وهذا كقوله تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً [ الأنفال : 47 ] وسيأتي وأصحاب هذه الصلة معروفون عند المؤمنين بمشاهدتهم ، وبإخبار القرآن عنهم ، فقد عرفوا ذلك من المشركين من قبل ، قال تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [ الأنفال : 31 ] وقال : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ