الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

45

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ - إلى قوله - فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وهي من جانب آخر مطلقة في حالة اللقاء من قوله : إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فتكون آيات إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ - إلى قوله - يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ [ الأنفال : 65 ، 66 ] مخصصة لعموم هاته الآية بمقدار العدد ومقيدة لإطلاقها اللقاء بقيد حالة ذلك العدد ، وروي عن أبي سعيد الخدري ، وعطاء ، والحسن ، ونافع ، وقتادة ، والضحاك : أن هذه الآية نزلت قبل وقعة بدر ، وقالوا إن حكمها نسخ بآية الضعفاء آية إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ [ الأنفال : 65 ] الآية وبهذا قال أبو حنيفة ، ومآل القولين واحد بالنسبة لما بعد يوم بدر ، ولذلك لم يختلفوا في فقه هذه الآية إلّا ما روي عن عطاء كما سيأتي ، والصحيح هو الأول كما يقتضيه سياق انتظام آي السورة ، ولو صح قول أصحاب الرأي الثاني للزم أن تكون هذه الآية قد نزلت قبل الشروع في القتال يوم بدر ثم نزلت سورة الأنفال فألحقت الآية بها ، وهذا ما لم يقله أحد من أصحاب الأثر . وذهب فريق ثالث : إلى أن قوله تعالى : فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ الآية محكم عام في الأزمان ، لا يخصص بيوم بدر ولا بغيره ، ولا يخص بعدد دون عدد ، ونسب ابن الفرس ، عن النحاس ، إلى عطاء بن أبي رباح ، وقال ابن الفرس قال أبو بكر بن العربي هو الصحيح لأنه ظاهر القرآن والحديث ، ولم يذكر أين قال ابن العربي ذلك ، وأنا لم أقف عليه . ولم يستقر من عمل جيوش المسلمين ، في غزواتهم مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومع الأمراء الصالحين في زمن الخلفاء الراشدين ، ما ينضبط به مدى الإذن أو المنع من الفرار ، وقد انكشف المسلمون يوم أحد فعنفهم اللّه تعالى بقوله : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ [ آل عمران : 155 ] وما عفا عنهم إلّا بعد أن استحقوا الإثم ، ولما انكشفوا عند لقاء هوازن يوم حنين عنفهم اللّه بقوله : ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ إلى قوله - ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ في سورة براءة [ 25 - 27 ] وذكر التوبة يقتضي سبق الإثم . ومعنى فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ لا توجهوا إليهم أدباركم ، يقال : ولّى وجهه فلانا إذا أقبل عليه بوجهه ومنه قوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ البقرة : 144 ] فيعدى فعل ولّى إلى مفعولين بسبب التضعيف ، ( ومجرده ولي ) إذا جعل شيئا واليا أي قريبا فيكون ولّى المضاعف مثل قرب المضاعف ، فهذا نظم هذا التركيب .