الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
46
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و ( الأدبار ) جمع دبر ، وهو ضدّ قبل الشيء وجهه ، وما يتوجه إليك منه عند إقباله على شيء وجعله أمامه ، ودبره ظهره وما تراه منه حين انصرافه وجعله إياك وراءه ، ومنه يقال استقبل واستدبر وأقبل وأدبر ، فمعنى توليتهم الأدبار صرف الأدبار إليهم ، أي الرجوع عن استقبالهم ، وتولية الأدبار كناية عن الفرار من العدو بقرينة ذكره في سياق لقاء العدو ، فهو مستعمل في لازم معناه مع بعض المعنى الأصلي ، وإلّا فإن صرف الظهر إلى العدو بعد النصر لا بد منه وهو الانصراف إلى المعسكر ، إذ لا يفهم أحد النهي عن إدارة الوجه عن العدو ، وإلّا للزم أن يبقى الناس مستقبلين جيش عدوهم ، فلذلك تعين أن المفاد من قوله : فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ النهي عن الفرار قبل النصر أو القتل . وعبر عن حين الزحف بلفظ اليوم في قوله يَوْمَئِذٍ أي يوم الزحف أي يولهم يوم الزحف دبره أي حين الزحف . ومن ثم استثني منه حالة التحرف لأجل الحيلة الحربية والانحياز إلى فئة من الجيش للاستنجاد بها أو لإنجادها . والمستثنى يجوز أن يكون ذاتا مستثنى من الموصول في قوله وَمَنْ يُوَلِّهِمْ والتقدير : إلّا رجلا متحرفا لقتال ، فحذف الموصوف وبقيت الصفة ، ويجوز أن يكون المستثنى حالة من عموم الأحوال دل عليها الاستثناء أي إلّا في حال تحرفه لقتال . و ( التحرف ) الانصراف إلى الحرف ، وهو المكان البعيد عن وسطه فالتحرف مزايلة المكان المستقر فيه والعدول إلى أحد جوانبه ، وهو يستدعي تولية الظهر لذلك المكان بمعنى الفرار منه . واللام للتعليل أي إلّا في حال تحرف أي مجانبة لأجل القتال ، أي لأجل أعماله إن كان المراد بالقتال الاسم ، أو لأجل إعادة المقاتلة إن كان المراد بالقتال المصدر ، وتنكير قتال يرجح الوجه الثاني ، فالمراد بهذا التحرف ما يعبر عنه بالفرّ لأجل الكرّ فإن الحرب كرّ وفرّ ، وقال عمرو بن معديكرب : ولقد أجمع رجليّ بها * حذر الموت وإني لفرور ولقد أعطفها كارهة * حين للنفس من الموت هرير كل ما ذلك مني خلق * وبكل أنا في الروع جدير والتحيز طلب الحيز فيعل من الحوز ، فأصل إحدى ياءيه الواو ، فلما اجتمعت الواو