الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
40
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يقتضي التخفيف عليهم في العمل الذي كلفهم اللّه به بأن اللّه كفاهم تخذيل الكافرين بعمل آخر غير الذي كلف الملائكة بعمله ، فليست جملة سَأُلْقِي مفسرة لمعنى أَنِّي مَعَكُمْ . ولم يقل سنلقي لئلا يتوهم أن للملائكة المخاطبين سببا في إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا كما علمت آنفا . وتفريع فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ على جملة : سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ المفرعة هنا أيضا على جملة : فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا في المعنى ، يؤذن بما اقتضته جملة سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ من تخفيف عمل الملائكة عليهم بعض التخفيف الذي دل عليه إجمالا قوله : أَنِّي مَعَكُمْ كما تقدم فَوْقَ الْأَعْناقِ على الظرفية لا ضربوا . و الْأَعْناقِ أعناق المشركين وهو بيّن من السياق ، واللام فيه والمراد بعض الجنس بالقرينة للجنس أو عوض عن المضاف إليه بقرينة قوله بعد : وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ . والبنان اسم جمع بنانة وهي الأصبع وقيل طرف الأصبع ، وإضافة ( كل ) إليه لاستغراق أصحابها . وإنما خصت الأعناق والبنان لأن ضرب الأعناق إتلاف لأجساد المشركين وضرب البنان ، يبطل صلاحية المضروب للقتال ، لأن تناول السلاح إنما يكون بالأصابع ، ومن ثم كثر في كلامهم الاستغناء بذكر ما تتناوله اليد أو ما تتناوله الأصابع ، عن ذكر السيف ، قال النابغة : وأن تلادي أن نظرت وشكّتي * ومهري وما ضمّت إليّ الأنامل يعني سيفه ، وقال أبو الغول الطهوي : فدت نفسي وما ملكت يميني * فوارس صدّقت فيهم ظنوني يريد السيف ومثل ذلك كثير في كلامهم فضرب البنان يحصل به تعطيل عمل اليد فإذا ضربت اليد كلها فذلك أجدر . وضرب الملائكة يجوز أن يكون مباشرة بتكوين قطع الأعناق والأصابع بواسطة فعل الملائكة على كيفية خارقة للعادة وقد ورد في بعض الآثار عن بعض الصحابة ما يشهد لهذا المعنى ، فإسناد الضرب حقيقة . ويجوز أن يكون بتسديد ضربات المسلمين وتوجيه