الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

41

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المشركين إلى جهاتها ، فإسناد الضرب إلى الملائكة مجاز عقلي لأنهم سببه ، وقد قيل : الأمر بالضرب للمسلمين ، وهو بعيد ، لأن السورة نزلت بعد انكشاف الملحمة . وجملة : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ تعليل لأن الباء في قوله بِأَنَّهُمْ باء السببية فهي تفيد معنى التعليل ولهذا فصلت الجملة . والمخاطب بهذه الجملة : إما الملائكة ، فتكون من جملة الموحى به إليهم اطلاعا لهم على حكمة فعل اللّه تعالى . لزيادة تقريبهم ، ولا يريبك إفراد كاف الخطاب في اسم الإشارة لأن الأصل في الكاف مع اسم الإشارة الإفراد والتذكير ، وإجراؤها على حسب حال المخاطب بالإشارة جائز وليس بالمتعين ، وإما من تبلغهم الآية من المشركين الأحياء بعد يوم بدر ، ولذا فالجملة معترضة للتحذير من الاستمرار على مشاقة اللّه ورسوله . والقول في إفراد الكاف هو هو إذ الخطاب لغير معين والمراد نوع خاص ، ويجوز أن يكون المخاطب به النبي صلى اللّه عليه وسلم . والمشار إليه ما أمروا به من ضرب الأعناق وقطع البنان . وإفراد اسم الإشارة بتأويله بالمذكور ، وتقدم غير مرة . والمشاقة العداوة بعصيان وعناد ، مشتقة من الشّق - بكسر الشين - وهو الجانب ، هو اسم بمعنى المشقوق أي المفرق ، ولما كان المخالف والمعادي يكون متباعدا عن عدوه فقد جعل كأنه في شق آخر ، أي ناحية أخرى ، والتصريح بسبب الانتقام تعريض للمؤمنين ليستزيدوا من طاعة اللّه ورسوله ، فإن المشيئة لما كانت سبب هذا العقاب العظيم فيوشك ما هو مخالفة للرسول بدون مشاقة أن يوقع في عذاب دون ذلك ، وخليق بأن يكون ضدها وهو الطاعة موجبا للخير . وجملة : وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ تذييل يعم كل من يشاقق اللّه ويعم أصناف العقائد . والمراد من قوله : فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ الكناية عن عقاب المشاقين وبذلك يظهر الارتباط بين الجزاء وبين الشرط باعتبار لازم الخبر وهو الكناية عن تعلق مضمون ذلك الخبر بمن حصل منه مضمون الشرط ، كقول عنترة : إن تغد في ، دوني القناع فإنني * طبّ بأخذ الفارس المستلئم يريد فأني لا يخفى عليّ من يستر وجهه مني وأني أتوسّمه وأعرفه .