الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
39
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والهلع ثباتا ، في جانب المؤمنين ، ويجعل العزة رعبا في قلوب المشركين ، ويقطع أعناقهم وأيديهم بدون سبب من أسباب القطع المعتادة فكانت الأعمال التي عهد للملائكة عملها خوارق عادات . والتثبيت هنا مجاز في إزالة الاضطراب النفساني مما ينشأ عن الخوف ومن عدم استقرار الرأي واطمئنانه . وعرف المثبتون بالموصول لما تومئ إليه صلة آمَنُوا من كون إيمانهم هو الباعث على هذه العناية ، فتكون الملائكة بعناية المؤمنين لأجل وصف الإيمان . وتثبيت المؤمنين إيقاع ظن في نفوسهم بأنهم منصورون ويسمى ذلك إلهاما وتثبيتا ، لأنه إرشاد إلى ما يطابق الواقع ، وإزالة للاضطراب الشيطاني ، وإنما يكون خيرا إذا كان جاريا على ما يحبه اللّه تعالى بحيث لا يكون خاطرا كاذبا ، وإلّا صار غرورا ، فتشجيع الخائف حيث يريد اللّه منه الشجاعة خاطر ملكي وتشجيعه حيث ينبغي أن يتوقى ويخاف خاطر شيطاني ووسوسة ، لأنه تضليل عن الواقع وتخذيل . ولم يسند إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا إلى الملائكة بل أسنده اللّه إلى نفسه وحده بقوله : سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ لأن أولئك الملائكة المخاطبين كانوا ملائكة نصر وتأييد فلا يليق بقواهم إلقاء الرعب ، لأن الرعب خاطر شيطاني ذميم ، فجعله اللّه في قلوب الذين كفروا بواسطة أخرى غير الملائكة . وأسند إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا إلى اللّه على طريقة الإجمال دون بيان لكيفية إلقائه ، وكل ما يقع في العالم هو من تقدير اللّه على حسب إرادته ، وأشار ذلك إلى أنه رعب شديد قدره اللّه على كيفية خارقة للعادة ، فإن خوارق العادات قد تصدر من القوى الشيطانية بإذن اللّه وهو ما يسمى في اصطلاح المتكلمين بالإهانة وبالاستدراج ، ولا حاجة إلى قصد تحقير الشيطان بإلقاء الرعب في قلوب المشركين كما قصد تشريف الملائكة ، لأن إلقاء الرعب في قلوب المشركين يعود بالفائدة على المسلمين ، فهو مبارك أيضا ، وإنما كان إلقاء الرعب في قلوب المشركين خارق عادة ، لأن أسباب ضده قائمة ، وهي وفرة عددهم وعددهم وإقدامهم على الخروج إلى المسلمين ، وحرصهم على حماية أموالهم التي جاءت بها العير . فجملة : سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا مستأنفة استئنافا ابتدائيا إخبارا لهم بما