الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
162
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ الفتح : 29 ] . وقد كان هذا المسلك السياسي خفيّا حتّى كأنه ممّا استأثر اللّه به ، وفي الترمذي ، عن الأعمش : أنّهم في يوم بدر سبقوا إلى الغنائم قبل أن تحلّ لهم ، وهذا قول غريب فقد ثبت أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم استشارهم ، وهو في الصحيح . وقرأ الجمهور أَنْ يَكُونَ لَهُ - بتحتية - على أسلوب التذكير . وقرأه أبو عمرو ، ويعقوب ، وأبو جعفر - بمثناة فوقية - على صيغة التأنيث ، لأنّ ضمير جمع التكسير يجوز تأنيثه بتأويل الجماعة . والخطاب في قوله : تُرِيدُونَ للفريق الذين أشاروا بأخذ الفداء وفيه إشارة إلى أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام غير معاتب لأنّه إنّما أخذ برأي الجمهور وجملة : تُرِيدُونَ إلى آخرها واقعة موقع العلّة للنهي الذي تضمّنته آية ما كان لنبي فلذلك فصلت ، لأنّ العلّة بمنزلة الجملة المبيّنة . و عَرَضَ الدُّنْيا هو المال ، وإنّما سمّي عرضا لأنّ الانتفاع به قليل اللبث ، فأشبه الشيء العارض إذ العروض مرور الشيء وعدم مكثه لأنه يعرض للماشين بدون تهيّؤ . والمراد عرض الدنيا المحض وهو أخذ المال لمجرد التمتع به . والإرادة هنا بمعنى المحبّة ، أي : تحبون منافع الدنيا واللّه يحبّ ثواب الآخرة ، ومعنى محبّة اللّه إيّاها محبّته ذلك للناس ، أي يحبّ لكم ثواب الآخرة ، فعلّق فعل الإرادة بذات الآخرة ، والمقصود نفعها بقرينة قوله : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا فهو حذف مضاف للإيجاز ، وممّا يحسنه أنّ الآخرة المرادة للمؤمن لا يخالط نفعها ضرّ ولا مشقّة ، بخلاف نفع الدنيا . وإنما ذكر مع الدُّنْيا المضاف ولم يحذف : لأنّ في ذكره إشعارا بعروضه وسرعة زواله . وإنّما أحبّ اللّه نفع الآخرة : لأنّه نفع خالد ، ولأنّه أثر الأعمال النافعة للدين الحقّ ، وصلاح الفرد والجماعة . وقد نصب اللّه على نفع الآخرة أمارات ، هي أمارات أمره ونهيه ، فكلّ عرض من أعراض الدنيا ليس فيه حظّ من نفع الآخرة ، فهو غير محبوب للّه تعالى ، وكلّ عرض من الدنيا فيه نفع من الآخرة ففيه محبّة من اللّه تعالى ، وهذا الفداء الذي أحبّوه لم يكن يحفّ به من الأمارات ما يدلّ على أنّ اللّه لا يحبّه ، ولذلك تعيّن أنّ عتاب المسلمين على