الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

163

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

اختيارهم إيّاه حين استشارهم الرسول عليه الصلاة والسلام إنّما هو عتاب على نوايا في نفوس جمهور الجيش ، حين تخيّروا الفداء أي أنهم ما راعوا فيه إلا محبّة المال لنفع أنفسهم فعاتبهم اللّه على ذلك لينبّههم على أنّ حقيقا عليهم أن لا ينسوا في سائر أحوالهم وآرائهم ، الالتفات إلى نفع الدين وما يعود عليه بالقوة ، فإنّ أبا بكر قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند الاستشارة « قومك وأهلك استبقهم لعلّ اللّه أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك » فنظر إلى مصلحة دينية من جهتين ولعلّ هذا الملحظ لم يكن عند جمهور أهل الجيش . ويجوز عندي أن يكون قوله : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا مستعملا في معنى الاستفهام الإنكاري ، والمعنى : لعلّكم تحبّون عرض الدنيا فإنّ اللّه يحبّ لكم الثواب وقوة الدين ، لأنّه لو كان المنظور إليه هو النفع الدنيوي ؛ لكان حفظ أنفس الناس مقدّما على إسعافهم بالمال ، فلما وجب عليهم بذل نفوسهم في الجهاد . فالمعنى : يوشك أن تكون حالكم كحال من لا يحبّ إلّا عرض الدنيا ، تحذيرا لهم من التوغل في إيثار الحظوظ العاجلة . وجملة : وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ عطف على جملة : وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ عطفا يؤذن بأنّ لهذين الوصفين أثرا في أنّه يريد الآخرة ، فيكون كالتعليل ، وهو يفيد أنّ حظ الآخرة هو الحظّ الحقّ ، ولذلك يريده العزيز الحكيم . فوصف العزيز يدلّ على الاستغناء على الاحتياج ، وعلى الرفعة والمقدرة ، ولذلك لا يليق به إلّا محبة الأمور النفيسة ، وهذا يومئ إلى أن أولياءه ينبغي لهم أن يكونوا أعزّاء كقوله في الآية الأخرى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقون : 8 ] فلأجل ذلك كان اللائق بهم أن يربئوا بنفوسهم عن التعلّق بسفاسف الأمور وأن يجنحوا إلى معاليها . ووصف الحكيم يقتضي أنّه العالم بالمنافع الحقّ على ما هي عليه ، لأنّ الحكمة العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه . وجملة : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ إلخ مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأنّ الكلام السابق يؤذن بأنّ مفاداة الأسرى أمر مرهوب تخشى عواقبه ، فيستثير سؤالا في نفوسهم عمّا يترقّب من ذلك ، فبيّنه قوله : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ الآية . والمراد بالكتاب المكتوب ، وهو من الكتابة التي هي التعيين والتقدير ، وقد نكر