الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
161
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إسرائيل ، وهو في الإصحاح عشرين من سفر التثنية « 1 » . ومثل هذا النفي في القرآن قد يجيء بمعنى النهي نحو وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [ الأحزاب : 53 ] . وقد يجيء بمعنى أنه لا يصلح ، كما هنا ، لأن هذا الكلام جاء تمهيدا للعتاب فتعيّن أن يكون مرادا منه ما لا يصلح من حيث الرأي والسياسة . ومعنى هذا الكون المنفي بقوله : ما كان لنبي أن يكون له أسرى هو بقاؤهم في الأسر ، أي بقاؤهم أرقّاء أو بقاء أعواضهم وهو الفداء . وليس المراد أنّه لا يصلح أن تقع في يد النبي أسرى ، لأنّ أخذ الأسرى من شؤون الحرب ، وهو من شؤون الغلب ، إذا استسلم المقاتلون ، فلا يعقل أحد نفيه عن النبي ، فتعيّن أنّ المراد نفي أثره ، وإذا نفي أثر الأسر صدق بأحد أمرين : وهما المنّ عليهم بإطلاقهم ، أو قتلهم ، ولا يصلح المنّ هنا ، لأنّه ينافي الغاية وهي حتى يثخن في الأرض ، فتعيّن أنّ المقصود قتل الأسرى الحاصلين في يده ، أي أنّ ذلك الأجدر به حين ضعف المؤمنين ، خضدا لشوكة أهل العناد ، وقد صار حكم هذه الآية تشريعا للنبي صلى اللّه عليه وسلم فيمن يأسرهم في غزواته . والإثخان الشدة والغلظة في الأذى . يقال أثخنته الجراحة وأثخنه المرض إذا ثقل عليه ، وقد شاع إطلاقه على شدّة الجراحة على الجريح . وقد حمله بعض المفسّرين في هذه الآية على معنى الشدّة والقوة . فالمعنى : حتى يتمكّن في الأرض ، أي يتمكّن سلطانه وأمره . وقوله : فِي الْأَرْضِ على هذا جار على حقيقة المعنى من الظرفية ، أي يتمكّن في الدنيا . وحمله في « الكشّاف » على معنى إثخان الجراحة ، فيكون جريا على طريقة التمثيل بتشبيه حال الرسول صلى اللّه عليه وسلم المقاتل الذي يجرح قرنه جراحا قوية تثخنه ، أي حتّى يثخن أعداءه فتصير له الغلبة عليهم في معظم المواقع ، ويكون قوله : فِي الْأَرْضِ قرينة التمثيلية . والكلام عتاب للذين أشاروا باختيار الفداء والميل إليه ، وغضّ النظر عن الأخذ بالحزم في قطع دابر صناديد المشركين ، فإنّ في هلاكهم خضدا لشوكة قومهم فهذا ترجيح للمقتضى السياسي العرضي على المقتضى الذي بني عليه الإسلام وهو التيسير والرفق في شؤون المسلمين بعضهم مع بعض كما قال تعالى : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
--> ( 1 ) في الفقرة 13 منه « وإذا دفعها ( الضمير عائد إلى مدينة ) الرب إلهك إلى يدك جميع ذكورها بالسيف .