الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

127

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وانطلقوا ، فقال له الحارث بن هشام ، أخو أبي جهل : « إلى أين أتخذلنا في هذه الحال » فقال سراقة « إني أرى ما لا ترون » فكان ذلك من أسباب عزم قريش على الخروج والمسير ، حتّى لقوا هزيمتهم التي كتب اللّه لهم في بدر ، وكان خروج سراقة ومن معه بوسوسة من الشيطان ، لئلا ينثني قريش عن الخروج ، وكان انخزال سراقة بتقدير من اللّه ليتمّ نصر المسلمين ، وكان خاطر رجوع سراقة خاطرا ملكيا ساقه اللّه إليه ؛ لأنّ سراقة لم يزل يتردّد في أن يسلم منذ يوم لقائه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في طريق الهجرة ، حين شاهد معجزة سوخ قوائم فرسه في الأرض ، وأخذه الأمان من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ورويت له أبيات خاطب بها أبا جهل في قضيته في يوم الهجرة ، وما زال به ذلك حتى أسلم يوم الفتح . وتزيين الشيطان للمشركين أعمالهم ، يجوز أن يكون إسنادا مجازيا ، وإنّما المزيّن لهم سراقة بإغراء الشيطان ، بما سوّل إلى سراقة بن مالك من تثبيته المشركين على المضي في طريقهم لإنقاذ عيرهم ، وأن لا يخشوا غدر كنانة بهم ، وقيل تمثّل الشّيطان للمشركين في صورة سراقة ، وليس تمثّل الشيطان وجنده بصورة سراقة وجيشه بمروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإنّما روي ذلك عن قول ابن عبّاس ، وتأويل ذلك : أنّ ما صدر من سراقة كان بوسوسة من الشيطان ، ويجوز أن يكون اسم الشيطان أطلق على سراقة لأنّه فعل فعل الشيطان كما يقولون : فلان من شياطين العرب ويجوز أن يكون إسنادا حقيقا أي زيّن لهم في نفوسهم بخواطر وسوسته ، وكذلك إسناد قوله : لا غالِبَ لَكُمُ إليه مجاز عقلي باعتبار صدور القول والنكوص من سراقة المتأثر بوسوسة الشيطان . وكذلك قوله : إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ . وقوله : إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إن كان من الشيطان فهو قول في نفسه ، وضمير الخطاب التفات استحضرهم كأنّهم يسمعونه ، فقال قوله هذا ، وتكون الرؤية بصرية يعني رأى نزول الملائكة وخاف أن يضرّوه بإذن اللّه وقوله : إِنِّي أَخافُ اللَّهَ بيان لقوله : إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ أي أخاف عقاب اللّه فيما رأيت من جنود اللّه . وإن كان ذلك كلّه من قول سراقة فهو إعلان لهم بردّ جواره إيّاهم لئلا يكون خائنا لهم ، لأنّ العرب كانوا إذا أرادوا نقض جوار أعلنوا ذلك لمن أجاروه ، كما فعل ابن الدغنة حين أجار أبا بكر من أذى قريش ثم ردّ جواره من أبي بكر ، ومنه قوله تعالى : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ [ الأنفال : 58 ] فالمعنى : إنّي بريء من جواركم ، ولذلك قال له الحارث بن هشام : « إلى أين أتخذلنا » فيكون قد اقتصر على