الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
128
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تأمينهم من غدر قومه بني كنانة . وتكون الرؤية علمية ومفعولها الثاني محذوفا اقتصارا . وأمّا قوله : إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ فعلى احتمال أن يكون الإسناد إلى الشيطان حقيقة فالمراد من خوف اللّه توقع أن يصيبه اللّه بضرّ ، من نحو الرجم بالشهب ، وإن كان مجازا عقليا وأنّ حقيقته قول سراقة فلعلّ سراقة قال قولا في نفسه ، لأنّه كان عاهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أن لا يدلّ عليه المشركين ، فلعلّه تذكّر ذلك ورأى أنّ فيما وعد المشركين من الإعانة ضربا من خيانة العهد فخاف سوء عاقبة الخيانة . و « التزيين » إظهار الشيء زينا ، أي حسنا ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ في سورة الأنعام [ 108 ] ، وفي قوله : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا في سورة البقرة [ 212 ] . والمعنى : أنّه أراهم حسنا ما يعملونه من الخروج إلى إنقاذ العير ، ثم من إزماع السير إلى بدر . و تَراءَتِ مفاعلة من الرؤية ، أي رأت كلتا الفئتين الأخرى . و نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ رجع من حيث جاء . وعن مؤرج السدوسي : أنّ نكص رجع بلغة سليم ، ومصدره النكوص وهو من باب رجع . وقوله : عَلى عَقِبَيْهِ مؤكّد لمعنى نكص إذ النكوص لا يكون إلّا على العقبين ، لأنّه الرجوع إلى الوراء كقولهم : رجع القهقرى ، ونظيره قوله تعالى في سورة المؤمنين [ 66 ] : فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ . و عَلى مفيدة للتمكّن من السير بالعقبين . والعقبان : تثنية العقب ، وهو مؤخّر الرجل ، وقد تقدّم في قوله : وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا في سورة الأنعام [ 71 ] . والمقصود من ذكر العقبين تفظيع التقهقر لأنّ عقب الرجل أخسّ القوائم لملاقاته الغبار والأوساخ . [ 49 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 49 ] إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 49 ) يتعلّق إِذْ يَقُولُ بأقرب الأفعال إليه وهو قوله : زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [ الأنفال : 48 ] مع ما عطف عليه من الأفعال ، لأنّ إِذْ لا تقتضي أكثر من المقارنة في الزمان بين ما تضاف إليه وبين متعلّقها ، فتعين أن يكون قول المنافقين واقعا في وقت تزيين