الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
9
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
معارضته بمثله كما تقدّم في سورة البقرة . وإنّما رسموها في المصاحف بصور الحروف دون أسمائها ، أي بمسمّيات الحروف التي ينطق بأسمائها ولم يرسموها بما تقرأ به أسماؤها ، مراعاة لحالة التّهجي ( فيما أحسب ) ، أنّهم لو رسموها بالحروف التي ينطق بها عند ذكر أسمائها خشوا أن يلتبس مجموع حروف الأسماء بكلمات مثل ( ياسين ) ، لو رسمت بأسماء حروفها أن تلتبس بنداء من اسمه سين . فعدلوا إلى رسم الحروف علما بأنّ القارئ في المصحف إذا وجد صورة الحرف نطق باسم تلك الصّورة . على معتادهم في التّهجي طردا للرسم على وتيرة واحدة . على أنّ رسم المصحف سنّة سنّها كتاب المصاحف فأقرّت . وإنّما العمدة في النّطق بالقرآن على الرّواية والتّلقي ، وما جعلت كتابة المصحف إلّا تذكرة وعونا للمتلقّي . وتقدّم هذا في أوّل سورة البقرة وفيما هنا زيادة عليه . [ 2 ] [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 2 ] كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) ذكرنا في طالعة سورة البقرة أنّ الحروف المقطّعة في أوائل السّور أعقبت بذكر القرآن أو الوحي أو ما في معنى ذلك ، وذلك يرجح أن المقصود من هذه الحروف التّهجي ، إبلاغا في التّحدي للعرب بالعجز عن الإتيان بمثل القرآن وتخفيفا للعبء عن النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم ، فتلك جملة مستقلّة وهي هنا معدودة آية ولم تعدّ في بعض السّور . فقوله : كِتابٌ مبتدأ ووقع الابتداء ، بالنّكرة إمّا لأنّها أريد بها النّوع لا الفرد فلم يكن في الحكم عليها إبهام وذلك كقولهم : رجل جاءني ، أي لا امرأة ، وتمرة خير من جرادة ، وفائدة إرادة النّوع الردّ على المشركين إنكارهم أن يكون القرآن من عند اللّه ، واستبعادهم ذلك ، فذكّرهم اللّه بأنّه كتاب من نوع الكتب المنزّلة على الأنبياء ، فكما نزلت صحف إبراهيم وكتاب موسى كذلك نزل هذا القرآن ، فيكون تنكير النّوعية لدفع الاستبعاد ، ونظيره قوله تعالى : قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ [ ص : 22 ] فالتّنكير للنّوعيّة . وإما لأن التّنكير أريد به التّعظيم كقولهم : « شرّ أهرّ ذا ناب » أي شر عظيم . وقول