الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

10

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عويف القوافي : خبر أتاني عن عيينة موجع * كادت عليه تصدّع الأكباد أي هو كتاب عظيم تنويها بشأنه فصار التنكير في معنى التوصيف . وإمّا لأنّه أريد بالتّنكير التعجيب من شأن هذا الكتاب في جميع ما حفّ به من البلاغة والفصاحة والإعجاز والإرشاد ، وكونه نازلا على رجل أمّيّ . وقوله : أُنْزِلَ إِلَيْكَ يجوز أن يكون صفة ل كِتابٌ فيكون مسوغا ثانيا للابتداء بالنّكرة ويجوز أن يكون هو الخبر فيجوز أن يكون المقصود من الأخبار تذكير المنكرين والمكابرين ، لأنّ النّبي صلى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين يعلمون أنّه أنزل من عند اللّه ، فلا يحتاجون إلى الإخبار به ، فالخبر مستعمل في التّعريض بتغليط المشركين والمكابرين والقاصدين إغاظة الرّسول عليه الصّلاة والسّلام بالإعراض ، ويجوز أن يكون المقصود من الخبر الامتنان والتّذكير بالنّعمة ، فيكون الخبر مستعملا في الامتنان على طريقة المجاز المرسل المركب . ويجوز أن يجعل الخبر هو قوله : أُنْزِلَ إِلَيْكَ مع ما انضمّ إليه من التّفريع والتّعليل ، أي هو كتاب أنزل إليك فكن منشرح الصّدر به ، فإنّه أنزل إليك لتنذر به الكافرين وتذكّر المؤمنين ، والمقصود : تسكين نفس النّبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وإغاظة الكافرين ، وتأنيس المؤمنين ، أي هو كتاب أنزل لفائدة ، وقد حصلت الفائدة فلا يكن في صدرك حرج إن كذّبوا . وبهذه الاعتبارات وبعدم منافاة بعضها لبعض يحمل الكلام على إرادة جميعها وذلك من مطالع السّور العجيبة البيان . ومن المفسّرين من قدّروا مبتدأ محذوفا ، وجعلوا كِتابٌ خبرا عنه ، أي هذا كتاب ، أي أنّ المشار إليه القرآن الحاضر في الذّهن ، أو المشار إليه السّورة أطلق عليها كتاب ، ومنهم من جعل كِتابٌ خبرا عن كلمة المص [ الأعراف : 1 ] وكلّ ذلك بمعزل عن متانة المعنى . وصيغ فعل : أُنْزِلَ بصيغة النائب عن الفاعل اختصارا ، للعلم بفاعل الإنزال ، لأنّ الذي ينزل الكتب على الرّسل هو اللّه تعالى ، ولما في مادة الإنزال من الإشعار بأنّه من الوحي لملائكة العوالم السّماوية . والفاء في قوله : فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ اعتراضية إذا الجملة معترضة بين فعل أُنْزِلَ ومتعلّقة وهو لِتُنْذِرَ بِهِ ، فإنّ الاعتراض يكون مقترنا بالفاء كما يكون مقترنا