الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

21

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والفعل علّة لفظيّة : وهي كون المصدر المؤول يشبه الضّمير في أنّه لا يوصف ، فكان أعرف من غيره ، فلذلك كان حقيقا بأن يكون هو الاسم ، لأنّ الأصل أنّ الأعرف من الجزأين وهو الذي يكون مسندا إليه . [ 6 ، 7 ] [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 6 إلى 7 ] فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( 6 ) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ( 7 ) الفاء في قوله : فَلَنَسْئَلَنَّ عاطفة ، لترتيب الأخبار لأنّ وجود لام القسم علامة على أنّه كلام أنف انتقال من خبر إلى خبر ، ومن قصة إلى قصة وهو انتقال من الخبر عن حالتهم الدنيوية إلى الخبر عن أحوالهم في الآخرة . وأكّد الخبر بلام القسم ونون التّوكيد لإزالة الشكّ في ذلك . وسؤال الذين أرسل إليهم سؤال عن بلوغ الرّسالة . وهو سؤال تقريع في ذلك المحشر ، قال تعالى : وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [ القصص : 65 ] . وسؤال المرسلين عن تبليغهم الرّسالة سؤال إرهاب لأممهم ، لأنّهم إذا سمعوا شهادة رسلهم عليهم أيقنوا بأنّهم مسوقون إلى العذاب ، وقد تقدّم ذلك في قوله : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [ النساء : 41 ] - وقوله - يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ [ المائدة : 109 ] . و الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ، هم أمم الرّسل ، وعبّر عنهم بالموصول لما تدلّ عليه الصّلة من التّعليل ، فإن فائدة الإرسال هي إجابة الرّسل ، فلا جرم أن يسأل عن ذلك المرسل إليهم ، ولمّا كان المقصود الأهمّ من السّؤال هو الأمم ، لإقامة الحجّة عليهم في استحقاق العقاب ، قدّم ذكرهم على ذكر الرّسل ، ولما تدلّ عليه صلة ( الذي ) وصلة ( ال ) من أنّ المسؤول عنه هو ما يتعلّق بأمر الرّسالة ، وهو سؤال الفريقين عن وقوع التّبليغ . ولمّا دلّ على هذا المعنى التّعبير : ب الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ والتّعبير : ب الْمُرْسَلِينَ لم يحتجّ إلى ذكر جواب المسؤولين لظهور أنّه إثبات التّبليغ والبلاغ . والفاء في قوله : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ للتفريع والتّرتيب على قوله : فَلَنَسْئَلَنَّ ، أي لنسألنّهم ثمّ نخبرهم بتفصيل ما أجمله جوابهم ، أي فلنقصّنّ عليهم تفاصيل أحوالهم ، أي فعلمنا غني عن جوابهم ولكن السّؤال لغرض آخر .