الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
22
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقد دلّ على إرادة التّفصيل تنكير علم في قوله : بِعِلْمٍ أي علم عظيم ، فإنّ تنوين ( علم ) للتعظيم ، وكمال العلم إنّما يظهر في العلم بالأمور الكثيرة ، وزاد ذلك بيانا قوله : وَما كُنَّا غائِبِينَ الذي هو بمعنى : لا يعزب عن علمنا شيء يغيب عنّا ونغيب عنه . والقصّ : الاخبار ، يقال : قصّ عليه ، بمعنى أخبره ، وتقدّم في قوله تعالى : يَقُصُّ الْحَقَّ في سورة الأنعام [ 57 ] . وجملة : وَما كُنَّا غائِبِينَ معطوف على فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ ، وهي في موقع التّذييل . والغائب ضدّ الحاضر ، وهو هنا كناية عن الجاهل ، لأنّ الغيبة تستلزم الجهالة عرفا ، أي الجهالة بأحوال المغيب عنه ، فإنّها ولو بلغته بالأخبار لا تكون تامة عنده مثل المشاهد ، أي : وما كنّا جاهلين بشيء من أحوالهم ، لأنّنا مطّلعون عليهم ، وهذا النّفي للغيبة مثل إثبات المعيّة في قوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] . وإثبات سؤال الأمم هنا لا ينافي نفيه في قوله تعالى : وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [ القصص : 78 ] - وقوله - فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [ الرحمن : 39 ] لأنّ المسؤول عنه هنا هو التّبليغ والمنفيّ في الآيتين الأخريين هو السّؤال لمعرفة تفاصيل ذنوبهم ، وهو الذي أريد هنا في قوله : وَما كُنَّا غائِبِينَ . [ 8 ، 9 ] [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 8 إلى 9 ] وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ( 9 ) عطف جملة : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ على جملة فَلَنَقُصَّنَّ [ الأعراف : 7 ] ، لما تضمّنته المعطوف عليها من العلم بحسنات النّاس وسيّئاتهم ، فلا جرم أشعرت بأنّ مظهر ذلك العلم وأثره هو الثّواب والعقاب ، وتفاوت درجات العاملين ودركاتهم تفاوتا لا يظلم العامل فيه مثقال ذرّة ، ولا يفوت ما يستحقّه إلّا أن يتفضّل اللّه على أحد برفع درجة أو مغفرة زلة لأجل سلامة قلب أو شفاعة أو نحو ذلك ، ممّا اللّه أعلم به من عباده ، فلذلك عقبت جملة : فَلَنَقُصَّنَّ [ الأعراف : 7 ] بجملة : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فكأنّه قيل : فلنقصنّ عليهم بعلم ولنجازينّهم على أعمالهم جزاء لا غبن فيه على أحد . والتّنوين في قوله : يَوْمَئِذٍ عوض عن مضاف إليه دلّ عليه : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ