الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
12
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والحرج حقيقته المكان الضيّق من الغابات الكثيرة الأشجار ، بحيث يعسر السلوك فيه ، ويستعار لحالة النّفس عند الحزن والغضب والأسف ، لأنّهم تخيّلوا للغاضب والآسف ضيقا في صدره لما وجدوه يعسر منه التّنفّس من انقباض أعصاب مجاري النفس ، وفي معنى الآية قوله تعالى : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ [ هود : 12 ] . و لِتُنْذِرَ متعلّق ب أُنْزِلَ على معنى المفعول لأجله ، واقترانه بلام التعليل دون الإتيان بمصدر منصوب لاختلاف فاعل العامل وفاعل الإنذار . وجعل الإنذار به مقدّماً في التّعليل لأنّه الغرض الأهم لإبطال ما عليه المشركون من الباطل وما يخلفونه في النّاس من العوائد الباطلة التي تعاني إزالتها من النّاس بعد إسلامهم . ذِكْرى يجوز أن يكون معطوفا على لِتُنْذِرَ بِهِ ، باعتبار انسباكه بمصدر فيكون في محلّ جرّ ، ويجوز أن يكون العطف عطف جملة ، ويكون ذِكْرى مصدرا بدلا من فعله ، والتّقدير : وذكّر ذكرى للمؤمنين ، فيكون في محلّ نصب فيكون اعتراضاً . وحذف متعلّق لِتُنْذِرَ ، وصرح بمتعلّق ذِكْرى لظهور تقدير المحذوف من ذكر مقابله المذكور ، والتّقدير : لتنذر به الكافرين ، وصرح بمتعلّق الذّكرى دون متعلّق لِتُنْذِرَ تنويها بشأن المؤمنين وتعريضا بتحقير الكافرين تجاه ذكر المؤمنين . [ 3 ] [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 3 ] اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 3 ) بيان لجملة : لِتُنْذِرَ بِهِ [ الأعراف : 2 ] بقرينة تذييلها بقوله : قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ . فالخطاب موجّه للمشركين ويندرج فيه المسلمون بالأولى ، فبعد أن نوّه اللّه بالكتاب المنزّل إلى الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم ، وبيّن أن حكمة إنزاله للإنذار والذّكرى ، أمر النّاس أن يتّبعوا ما أنزل إليهم ، كل يتبع ما هو به أعلق ، والمشركون أنزل إليهم الزّجر عن الشّرك والاحتجاج على ضلالهم ، والمسلمون أنزل إليهم الأمر والنّهي والتّكليف ، فكل مأمور باتّباع ما أنزل إليه ، والمقصود الأجدر هم المشركون تعريضا بأنّهم كفروا بنعمة ربّهم ، فوصف ( الرب ) هنا دون اسم الجلالة : للتّذكير بوجوب اتّباع أمره ، لأنّ وصف الربوبيّة يقتضي الامتثال لأوامره ، ونهاهم عن اتّباع أوليائهم الذين جعلوهم آلهة دونه ، والموجه إليهم النّهي هم المشركون بقرينة قوله : قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ .