الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
13
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والاتّباع حقيقته المشي وراء ماش ، فمعناه يقتضي ذاتين : تابعا ومتبوعا ، يقال : اتّبع وتبع ، ويستعار للعمل بأمر الآمر نحو : ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي [ طه : 92 ، 93 ] وهو استعارة تمثيليّة مبنيّة على تشبيه حالتين ، ويستعار للاقتداء بسيرة أو قول نحو : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ * [ البقرة : 168 ] وهو استعارة مصرّحة تنبني على تشبيه المحسوس بالمعقول مثل قوله تعالى : إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ * [ الأنعام : 50 ] ، ومنه قوله هنا : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ . والمراد بما أنزل هو الكتاب المذكور بقوله : كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [ الأعراف : 2 ] . وقوله : وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ تصريح بما تضمّنه : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ لأنّ فيما أنزل إليهم من ربّهم أنّ اللّه إله واحد لا شريك له ، وأنّه الولي ، وأنّ الذين اتّخذوا من دونه أولياء اللّه حفيظ عليهم ، أي مجازيهم لا يخفى عليه فعلهم ، وغير ذلك من آي القرآن ؛ والمقصود من هذا النّهي تأكيد مقتضى الأمر باتّباع ما أنزل إليهم اهتماما بهذا الجانب ممّا أنزل إليهم ، وتسجيلا على المشركين ، وقطعا لمعاذيرهم أن يقولوا إنّنا اتّبعنا ما أنزل إلينا ، وما نرى أولياءنا إلّا شفعاء لنا عند اللّه فما نعبدهم إلّا ليقرّبونا إلى اللّه زلفى ، فإنّهم كانوا يموهون بمثل ذلك ، ألا ترى أنّهم كانوا يقولون في تلبيتهم : « لبّيك لا شريك لك إلّا شريكا هو لك تملكه وما ملك » فموقع قوله : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ موقع الفصل الجامع من الحد ، وموقع وَلا تَتَّبِعُوا موقع الفصل المانع في الحدّ . والأولياء جمع ولي ، وهو الموالي ، أي الملازم والمعاون ، فيطلق على النّاصر ، والحليف ، والصاحب الصّادق المودّة ، واستعير هنا للمعبود وللإله : لأنّ العبادة أقوى أحوال الموالاة ، قال تعالى : أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ [ الشورى : 9 ] وقد تقدّم عند قوله تعالى : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا في سورة الأنعام [ 14 ] ، وهذا هو المراد هنا . والاتّباع في قوله : وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يجوز أن يكون مستعملا في المعنى الذي استعمل فيه الاتّباع في قوله : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وذلك على تقدير : لا تتّبعوا ما يأتيكم من أولياء دون اللّه ، فإن المشركين ينسبون ما هم عليه من الدّيانة الضّالة إلى الآلهة الباطلة ، أو إلى سدنة الآلهة وكهّانها ، كما تقدّم عند قوله تعالى : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [ الأنعام : 137 ] ، وقوله : فَقالُوا