الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
11
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بالواو كما في قوله تعالى : هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ ص : 57 ] وقوله : إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى [ النساء : 135 ] . وقول الشّاعر وهو من الشّواهد : اعلم فعلم المرء ينفعه * أن سوف يأتي كلّ ما قدّرا وقول بشّار بن برد : كقائلة إنّ الحمار فنحّه * عن القتّ أهل السّمسم المتهذّب وليست الفاء زائدة للاعتراض ولكنّها ترجع إلى معنى التّسبّب ، وإنّما الاعتراض حصل بتقديم جملتها بين شيئين متّصلين مبادرة من المتكلّم بإفادته لأهمّيته ، وأصل ترتيب الكلام هنا : كتاب أنزل إليك لتنذر به وذكرى للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه ، وقد ذكر في « مغني اللّبيب » دخول الفاء في الجملة المعترضة ولم يذكر ذلك في معاني الفاء فتوهّم متوهّمون أنّ الفاء لا تقع في الجملة المعترضة . والمعنى أنّ اللّه أنزله إليك لا ليكون في صدرك حرج ، بل لينشرح صدرك به . ولذلك جاء في نفي الحرج بصيغة نهي الحرج عن أن يحصل في صدر النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم ليكون النّهي نهي تكوين ، بمعنى تكوين النّفي ، عكس أمر التّكوين الذي هو بمعنى تكوين الإثبات . مثّل تكوين نفي الحرج عن صدره بحالة نهي العاقل المدرك للخطاب ، عن الحصول في المكان . وجعل صاحب « الكشاف » النّهي متوجّها في الحقيقة إلى النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم ، أي نهيه عن المبالاة بالمكذّبين بالقرآن ، والغمّ من صنيعهم ، وجعل النّهي في ظاهر اللّفظ متوجّها إلى الحرج للمبالغة في التّكليف ، باقتلاعه من أصله على طريقة قول العرب : « لا أرينّك هاهنا » أي لا تحضر فأراك ، وقولهم : « لا أعرفنّك تفعل كذا » أي لا تفعله فأعرّفك به ، نهيا بطريق الكناية ، وأيّا ما كان فالتّفريع مناسب لمعاني التّنكير المفروض في قوله : كِتابٌ ، أي فلا يكن في صدرك حرج منه من جهة ما جرّه نزوله إليك من تكذيب قومك وإنكارهم نزوله ، فلا يكن في صدرك حرج منه من عظم أمره وجلالته ، ولا يكن في صدرك حرج منه فإنّه سبب شرح صدرك بمعانيه وبلاغته . و ( من ) ابتدائيّة ، أي حرج ينشأ ويسري من جرّاء المذكور ، أي من تكذيب المكذّبين به ، فلمّا كان التّكذيب به من جملة شؤونه ، وهو سبب الحرج ، صح أن يجعل الحرج مسبّبا عن الكتاب بواسطة . والمعنى على تقدير مضاف أي حرج من إنكاره أي إنكار إنزاله من اللّه .