الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
67
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] إفحاما للرّسول صلى اللّه عليه وسلّم وإظهارا لتخلّف وعيده . وبناء تُوعَدُونَ للمجهول يصحح أن يكون الفعل مضارع وعد يعد ، أو مضارع أوعد ، يوعد والمتبادر هو الأوّل . ومن بديع الفصاحة اختيار بنائه للمجهول ، ليصلح لفظه لحال المؤمنين والمشركين ، ولو بني للمعلوم لتعيّن فيه أحد الأمرين : بأن يقال : إنّ ما نعدكم ، أو إنّ ما نوعدكم ، وهذا من بديع التّوجيه المقصود منه أن يأخذ منه كلّ فريق من السّامعين ما يليق بحاله ، ومعلوم أنّ وعيد المشركين يستلزم وعدا للمؤمنين ، والمقصود الأهمّ هو وعيد المشركين ، فلذلك عقّب الكلام بقوله : وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فذلك كالتّرشيح لأحد المحتملين من الكلام الموجّه . والإتيان مستعار للحصول تشبيها للشيء الموعود به المنتظر وقوعه بالشّخص الغائب المنتظر إتيانه ، كما تقدّم في قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً في هذه السورة . وحقيقة المعجز هو الّذي يجعل طالب شيء عاجزا عن نواله ، أي غير قادرين ، ويستعمل مجازا في معنى الإفلات من تناول طالبه كما قال إياس بن قبيصة الطائي : ألم تر أنّ الأرض رحب فسيحة * فهل تعجزني بقعة من بقاعها أي فلا تفلت منّي بقعة منها لا يصل إليها العدوّ الّذي يطالبني . فالمعنى : وما أنتم بمعجزي أي : بمفلتين من وعيدي ، أو بخارجين عن قدرتي ، وهو صالح للاحتمالين . ومجيء الجملة اسميّة في قوله : وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ لإفادة الثّبات والدّوام ، في نسبة المسند للمسند إليه ، وهي نسبة نفيه عن المسند إليه ، لأنّ الخصوصيات الّتي تعتبر في حالة الإثبات تعتبر في حالة النّفي إذ النّفي إنّما هو كيفيّة للنّسبة . والخصوصيات مقتضيات أحوال التّركيب ، وليس يختلف النّفي عن الإثبات إلّا في اعتبار القيود الزائدة على أصل التّركيب ، فإنّ النّفي يعتبر متوجّها إليها خاصّة وهي قيود مفاهيم المخالفة ، وإلّا لبطلت خصوصيات كثيرة مفروضة مع الإثبات ، إذا صار الكلام المشتمل عليها منفيا ، مثل إفادة التجدّد في المسند الفعلي في قول جؤية بن النضر : لا يألف الدرهم المضروب صرّتنا * لكن يمرّ عليها وهو منطق إذ لا فرق في إفادة التّجدّد بين هذا المصراع ، وبين أن تقول : ألف الدّرهم صرّتنا . وكذلك قوله تعالى : لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [ الممتحنة : 10 ] فإنّ الأول يفيد