الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

68

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أنّ نفي حلّهنّ لهم حكم ثابت لا يختلف ، والثّاني يفيد أنّ نفي حلّهم لهنّ حكم متجدّد لا ينسخ ، فهما اعتباران ، وقد أشرت إلى بعض هذا عند تفسير قوله تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ في سورة البقرة [ 276 ] . [ 135 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 135 ] قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 135 ) استئناف ابتدائي بعد قوله : إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ [ الأنعام : 134 ] فإنّ المقصود الأوّل منه هو وعيد المشركين ، كما مرّ ، فأعقبه بما تمحّض لوعيدهم : وهو الأمر المستعمل في الإنذار والتّهديد ، ليملي لهم في ضلالهم إملاء يشعر ، في متعارف بالتّخاطب ، بأنّ المأمور به ممّا يزيد المأمور استحقاقا للعقوبة ، واقترابا منها . أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يناديهم ويهدّدهم . وأمر أن يبتدئ خطابهم بالنّداء للاهتمام بما سيقال لهم ، لأنّ النّداء يسترعي إسماع المنادين ، وكان المنادي عنوان القوم لما يشعر به من أنّه قد رقّ لحالهم حين توعدهم بقوله : إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [ الأنعام : 134 ] لأنّ الشأن أنّه يحبّ لقومه ما يحبّ لنفسه . والنّداء : للقوم المعاندين بقرينة المقام ، الدالّ على أنّ الأمر للتّهديد ، وأنّ عملهم مخالف لعمله ، لقوله : اعْمَلُوا - مع قوله - إِنِّي عامِلٌ . فالأمر في قوله : اعْمَلُوا للتسوية والتخلية لإظهار اليأس من امتثالهم للنّصح بحيث يغيّر ناصحهم نصحهم إلى الإطلاق لهم فيما يحبّون أن يفعلوا ، كقوله تعالى : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [ فصلت : 40 ] وهذا الاستعمال استعارة إذ يشبّه المغضوب عليه المأيوس من ارعوائه بالمأمور بأن يفعل ما كان ينهى عنه ، فكأنّ ذلك المنهي صار واجبا ، وهذا تهكّم . والمكانة : المكان ، جاء على التّأنيث مثل ما جاء المقامة للمقام ، والدارة اسما للدار ، والماءة للماء الّذي ينزل حوله ، يقال : أهل الماء وأهل الماءة . والمكانة هنا مستعارة للحالة الّتي تلبّس بها المرء ، تشبّه الحالة في إحاطتها وتلبّس صاحبها بها بالمكان الّذي يحوي الشّيء ، كما تقدّم اطلاق الدّار آنفا في قوله تعالى : لَهُمْ دارُ السَّلامِ [ الأنعام : 127 ] ، أو تكون المكانة كناية عن الحالة لأنّ أحوال المرء تظهر في مكانه ومقرّه ، فلذلك يقال : « يا فلان على مكانتك » أي أثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه .