الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
62
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأعذر إلينا ، كما قال تعالى : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ ( أي قبل محمّد صلى اللّه عليه وسلّم أو قبل القرآن ) لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى [ طه : 134 ] فاقتصر من هذا المعنى على معنى أنّ علّة الإرسال هي عدم إهلاك القرى على غفلة ، فدلّ على المعنى المحذوف . والإهلاك : إعدام ذات الموجود وإماتة الحيّ . قال تعالى : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [ الأنفال : 42 ] فإهلاك القرى إبادة أهلها وتخريبها ، وإحياؤها إعادة عمرانها بالسكّان والبناء ، قال تعالى : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ ( أي القرية ) اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها [ البقرة : 259 ] . وإهلاك النّاس : إبادتهم ، وإحياؤهم إبقاؤهم ، فمعنى إهلاك القرى هنا شامل لإبادة سكّانها . لأنّ الإهلاك تعلّق بذات القرى ، فلا حاجة إلى التمجّز في إطلاق القرى على أهل القرى ( كما في : و سْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] لصحّة الحقيقة هنا ، ولأنّه يمنع منه قوله : وَأَهْلُها غافِلُونَ . ألا ترى إلى قوله تعالى : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً [ الإسراء : 16 ] فجعل إهلاكها تدميرها ، وإلى قوله : وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها [ الفرقان : 40 ] . والباء في : بِظُلْمٍ للسّببيّة ، والظلم : الشّرك ، أي مهلكهم بسبب شرك يقع فيها فيهلكها ويهلك أهلها الّذين أوقعوه ، ولذلك لم يقل : بظلم أهلها ، لأنّه أريد أن وجود الظلم فيها سبب هلاكها ، وهلاك أهلها بالأحرى لأنّهم المقصود بالهلاك . وجملة : وَأَهْلُها غافِلُونَ حال من الْقُرى . وصرح هنا ب أَهْلُها تنبيها على أنّ هلاك القرى من جراء أفعال سكّانها ، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [ النمل : 52 ] . [ 132 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 132 ] وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 132 ) احتراس على قوله : ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ [ الأنعام : 131 ] للتنبيه على أنّ الصّالحين من أهل القرى الغالب على أهلها الشرك والظّلم لا يحرمون جزاء صلاحهم . والتّنوين في : وَلِكُلٍّ عوض عن المضاف إليه : أي ولكلّهم ، أي كلّ أهل القرى المهلكة درجات . يعني أنّ أهلها تتفاوت أحوالهم في الآخرة . فالمؤمنون منهم لا يضاع إيمانهم . والكافرون يحشرون إلى العذاب في الآخرة . بعد أن عذّبوا في الدّنيا . فاللّه قد