الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

63

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ينجي المؤمنين من أهل القرى قبل نزول العذاب . فتلك درجة نالوها في الدّنيا ، وهي درجة إظهار عناية اللّه بهم ، وترفع درجتهم في الآخرة . والكافرون يحيق بهم عذاب الإهلاك ثمّ يصيرون إلى عذاب الآخرة . وقد تهلك القرية بمؤمنيها ثمّ يصيرون إلى النّعيم فيظهر تفاوت درجاتهم في الآخرة ، وهذه حالة أخرى وهي المراد بقوله تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [ الأنفال : 25 ] روى البخاري ، ومسلم ، عن ابن عمر ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « إذا أنزل اللّه بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثمّ بعثوا على أعمالهم » . وفي حديث عائشة رضي اللّه عنها عند البيهقي في « الشعب » مرفوعا أنّ اللّه تعالى إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصّالحون قبضوا معهم ثمّ بعثوا على نياتهم وأعمالهم ، صحّحه ابن حبّان . وفي « صحيح البخاري » ، من حديث زينب بنت جحش أمّ المؤمنين رضي اللّه عنها قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم « ويل للعرب من شرّ قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج وماجوج هكذا وعقد تسعين ( أي عقد إصبعين بعلامة تسعين في الحساب المعبر عنه بالعقد - بضم العين وفتح القاف ) - قيل : أنهلك وفينا الصّالحون ، قال : نعم إذا كثر الخبث » . والدّرجات هي ما يرتقى عليه من أسفل إلى أعلى ، في سلم أو بناء ، وإن قصد بها النّزول إلى محلّ منخفض من جبّ أو نحوه فهي دركات ، ولذلك قال تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ المجادلة : 11 ] وقال : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ النساء : 145 ] ولمّا كان لفظ ( كلّ ) مرادا به جميع أهل القرية ، وأتى بلفظ الدرجات كان إيماء إلى تغليب حال المؤمنين لتطمئنّ نفوس المسلمين من أهل مكّة بأنّهم لا بأس عليهم من عذاب مشركيها ، ففيه إيماء إلى أنّ اللّه منجيهم من العذاب : في الدّنيا بالهجرة ، وفي الآخرة بحشرهم على أعمالهم ونياتهم لأنّهم لم يقصروا في الإنكار على المشركين ، ففي هذه الآية إيذان بأنّهم سيخرجون من القرية الّتي حقّ على أهلها العذاب ، فإنّ اللّه أصاب أهل مكّة بالجوع والخوف ثمّ بالغزو بعد أن أنجى رسوله صلى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين . وقد علم من الدّرجات أنّ أسافلها دركات فغلب درجات لنكتة الإشعار ببشارة المؤمنين بعد نذارة المشركين . ومن في قوله مِمَّا عَمِلُوا تعليلية ، أي من أعمالهم أي بسبب تفاوت أعمالهم . وقوله : وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ خطاب للرّسول صلى اللّه عليه وسلّم . وقرأ الجمهور : يَعْمَلُونَ - بياء الغيبة - فيعود الضّمير إلى أهل القرى ، والمقصود