الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
6
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بمعنى المقابلة والمواجهة ، أي حشرنا كلّ شيء من ذلك عيانا . وقرأه الباقون - بضمّ القاف والباء - وهو لغة في قبل بمعنى المواجهة والمعاينة ؛ وتأوّلها بعض المفسّرين بتأويلات أخرى بعيدة عن الاستعمال ، وغير مناسبة للمعنى . و ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا هو أشدّ من ( لا يؤمنون ) تقوية لنفي إيمانهم ، مع ذلك كلّه ، لأنّهم معاندون مكابرون غير طالبين للحقّ ، لأنّهم لو طلبوا الحقّ بإنصاف لكفتهم معجزة القرآن ، إن لم يكفهم وضوح الحقّ فيما يدعو إليه الرّسول عليه الصلاة والسلام . فالمعنى : الإخبار عن انتفاء إيمانهم في أجدر الأحوال بأن يؤمن لها من يؤمن ، فكيف إذا لم يكن ذلك . والمقصود انتفاء إيمانهم أبدا . وَلَوْ هذه هي المسماة لَوْ الصهيبية ، وسنشرح القول فيها عند قوله تعالى : وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ في سورة الأنفال [ 23 ] . وقوله : إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ استثناء من عموم الأحوال التي تضمّنها عموم نفي إيمانهم ، فالتّقدير : إلّا بمشيئة اللّه ، أي حال أن يشاء اللّه تغيير قلوبهم فيؤمنوا طوعا ، أو أن يكرههم على الإيمان بأن يسلّط عليهم رسوله صلى اللّه عليه وسلّم ، كما أراد اللّه ذلك بفتح مكّة وما بعده . ففي قوله : إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ تعريض بوعد المسلمين بذلك ، وحذفت الباء مع « أن » . ووقع إظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار : لأنّ اسم الجلالة يومئ إلى مقام الإطلاق وهو مقام لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [ الأنبياء : 23 ] ، ويومئ إلى أنّ ذلك جرى على حسب الحكمة لأنّ اسم الجلالة يتضمّن جميع صفات الكمال . والاستدراك بقوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ راجع إلى قوله : إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ المقتضي أنّهم يؤمنون إذا شاء اللّه إيمانهم : ذلك أنّهم ما سألوا الآيات إلّا لتوجيه بقائهم على دينهم ، فإنّهم كانوا مصمّمين على نبذ دعوة الإيمان ، وإنّما يتعلّلون بالعلل بطلب الآيات استهزاء ، فكان إيمانهم - في نظرهم - من قبيل المحال ، فبيّن اللّه لهم أنّه إذا شاء إيمانهم آمنوا ، فالجهل على هذا المعنى : هو ضدّ العلم . وفي هذا زيادة تنبيه إلى ما أشار إليه قوله : إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ من أنّ ذلك سيكون ، وقد حصل إيمان كثير منهم بعد هذه الآية . وإسناد الجهل إلى أكثرهم يدلّ على أنّ منهم عقلاء يحسبون ذلك . ويجوز أن يكون الاستدراك راجعا إلى ما تضمّنه الشّرط وجوابه : من انتفاء إيمانهم