الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
7
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مع إظهار الآيات لهم ، أي لا يؤمنون ، ويزيدهم ذلك جهلا على جهلهم ، فيكون المراد بالجهل ضدّ الحلم ، لأنّهم مستهزءون ، وإسناد الجهل إلى أكثرهم لإخراج قليل منهم وهم أهل الرأي والحلم فإنّهم يرجى إيمانهم ، لو ظهرت لهم الآيات ، وبهذا التّفسير يظهر موقع الاستدراك . فضمير يَجْهَلُونَ عائد إلى المشركين لا محالة كبقية الضّمائر التي قبله . [ 112 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 112 ] وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 112 ) اعتراض قصد منه تسلية الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم والواو واو الاعتراض ، لأنّ الجملة بمنزلة الفذلكة ، وتكون للرّسول صلى اللّه عليه وسلّم تسلية بعد ذكر ما يحزنه من أحوال كفار قومه ، وتصلّبهم في نبذ دعوته ، فأنبأه اللّه : بأنّ هؤلاء أعداؤه ، وأن عداوة أمثالهم سنة من سنن اللّه تعالى في ابتلاء أنبيائه كلّهم ، فما منهم أحد إلّا كان له أعداء ، فلم تكن عداوة هؤلاء للنبي عليه الصلاة والسلام بدعا من شأن الرّسل . فمعنى الكلام : ألست نبيئا وقد جعلنا لكلّ نبيء عدوّا - إلى آخره . والإشارة بقوله : وَكَذلِكَ إلى الجعل المأخوذ من فعل جَعَلْنا كما تقدّم في قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] . فالكاف في محل نصب على أنّه مفعول مطلق لفعل جَعَلْنا . وقوله : عَدُوًّا مفعول جَعَلْنا الأوّل ، وقوله : لِكُلِّ نَبِيٍّ المجرور مفعول ثان ل جَعَلْنا وتقديمه على المفعول الأول للاهتمام به ، لأنّه الغرض المقصود من السّياق ، إذ المقصود الإعلام بأنّ هذه سنّة اللّه في أنبيائه كلّهم ، فيحصل بذلك التّأسّي والقدوة والتّسلية ؛ ولأن في تقديمه تنبيها - من أول السمع - على أنه خبر ، وأنه ليس متعلّقا بقوله : عَدُوًّا كيلا يخال السّامع أنّ قوله : شَياطِينَ الْإِنْسِ مفعول لأنّه يحوّل الكلام إلى قصد الإخبار عن أحوال الشّياطين ، أو عن تعيين العدوّ للأنبياء من هو ، وذلك ينافي بلاغة الكلام . و شَياطِينَ بدل من عَدُوًّا وإنّما صيغ التّركيب هكذا : لأنّ المقصود الأوّل الإخبار بأنّ المشركين أعداء للرّسول صلى اللّه عليه وسلّم ، فمن أعرب شَياطِينَ مفعولا لجعل و لِكُلِّ نَبِيٍّ ظرفا لغوا متعلّقا ب عَدُوًّا فقد أفسد المعنى .