الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

16

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

في الأمر والنّهي ، فيشمل الصّدق كلّ ما في كلمات اللّه من نوع الإخبار عن شؤون اللّه وشؤون الخلائق . ويطلق الصّدق مجازا على كون الشّيء كاملا في خصائص نوعه . والعدل : إعطاء من يستحقّ ما يستحقّ ، ودفع الاعتداء والظلم على المظلوم ، وتدبير أمور النّاس بما فيه صلاحهم . وتقدم بيانه عند قوله تعالى : وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ في سورة النّساء [ 58 ] . فيشمل العدل كلّ ما في كلمات اللّه : من تدبير شؤون الخلائق في الدّنيا والآخرة . فعلى التّفسير الأوّل للكلمات أو الكلمة ، يكون المعنى : أن القرآن بلغ أقصى ما تبلغه الكتب : في وضوح الدّلالة ، وبلاغة العبارة ، وأنّه الصّادق في أخباره ، العادل في أحكامه ، لا يعثر في أخباره على ما يخالف الواقع ، ولا في أحكامه على ما يخالف الحقّ ؛ فذلك ضرب من التحدّي والاحتجاج على أحقّيّة القرآن . وعلى التّفسيرين الثّاني والثّالث ، يكون المعنى : نفذ ما قاله اللّه ، وما وعد وأوعد ، وما أمر ونهى ، صادقا ذلك كلّه ، أي غير متخلّف ، وعادلا ، أي غير جائر . وهذا تهديد للمشركين بأن سيحقّ عليهم الوعيد ، الّذي توعّدهم به ، فيكون كقوله تعالى : وتمت كلمت رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا [ الأعراف : 137 ] أي تمّ ما وعدهم به من امتلاك مشارق الأرض ومغاربها الّتي بارك فيها ، وقوله : وَكَذلِكَ حَقَّتْ كلمات رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ [ غافر : 6 ] أي حقّت كلمات وعيده . ومعنى : لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ نفي جنس من يبدل كلمات اللّه ، أي من يبطل ما أراده في كلماته . والتّبديل تقدّم عند قوله تعالى : قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ من سورة البقرة [ 61 ] ، وتقدّم هناك بيان أنّه لا يوجد له فعل مجرّد ، وأنّ أصل مادّته هو التّبديل . والتّبديل حقيقته جعل شيء مكان شيء آخر ، فيكون في الذّوات كما قال تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [ إبراهيم : 48 ] وقال النّابغة : عهدت بها حيّا كراما فبدّلت * خناطيل آجال النّعاج الجوافل ويكون في الصّفات كقوله تعالى : وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [ النور : 55 ] . ويستعمل مجازا في إبطال الشّيء ونقضه ، قال تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ