الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
17
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ الفتح : 15 ] أي يخالفوه وينقضوا ما اقتضاه ، وهو قوله : قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ [ الفتح : 15 ] . وذلك أنّ النقض يستلزم الإتيان بشيء ضدّ الشّيء المنقوض . فكان ذلك اللّزوم هو علاقة المجاز . وقد تقدّم عند قوله تعالى : فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ في سورة البقرة [ 181 ] . وقد استعمل في قوله : لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ مجازا في معنى المعارضة أو النقض على الاحتمالين في معنى التّمام من قوله : وتمت كلمات ربك ونفي المبدّل كناية عن نفي التبديل . فإن كان المراد بالكلمات القرآن ، كما تقدّم ، فمعنى انتفاء المبدّل لكلماته : انتفاء الإتيان بما ينقضه ويبطله أو يعارضه ، بأن يظهر أنّ فيه ما ليس بتمام . فإن جاء أحد بما ينقضه كذبا وزورا فليس ذلك بنقض . وإنّما هو مكابرة في صورة النقض ، بالنّسبة إلى ألفاظ القرآن ونظمه ، وانتفاء ما يبطل معانيه وحقائق حكمته ، وانتفاء تغيير ما شرعه وحكم به . وهذا الانتفاء الأخير كناية عن النّهي عن أن يخالفه المسلمون . وبذلك يكون التّبديل مستعملا في حقيقته ومجازه وكنايته . ويجوز أن تكون جملة : وتمت كلمات ربك عطفا على جملة : جعلنا لكل نبيء عدوا [ الأنعام : 112 ] وما بينهما اعتراضا ، فالكلمات مراد بها ما سنّه اللّه وقدّره : من جعل أعداء لكلّ نبي يزخرفون القول في التّضليل ، لتصغى إليهم قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ، ويتّبعوهم ، ويقترفوا السيئات ، وأنّ المراد بالتّمام التّحقّق ، ويكون قوله : لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ نفي أن يقدر أحد أن يغيّر سنّة اللّه وما قضاه وقدّره ، كقوله : فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [ فاطر : 43 ] فتكون هذه الآية في معنى قوله : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ [ الأنعام : 34 ] . ففيها تأنيس للرسول صلى اللّه عليه وسلّم وتطمين له وللمؤمنين بحلول النّصر الموعود به في إبّانه . وقوله : وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ تذييل لجملة : وتمت كلمات ربك صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ أي : وهو المطّلع على الأقوال ، العليم بما في الضّمائر ، وهذا تعريض بالوعيد لمن يسعى لتبديل كلماته ، فالسّميع العالم بأصوات المخلوقات ، الّتي منها ما توحي به شياطين الإنس والجنّ ، بعضهم إلى بعض ، فلا يفوته منها شيء ؛ والعالم أيضا بمن يريد أن يبدّل كلمات اللّه ، على المعاني المتقدّمة ، فلا يخفى عليه ما يخوضون فيه : من تبييت الكيد والإبطال له .