الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
156
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ . ولذلك أعقبه بتذييله : إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . فالخطاب موجّه إلى المشركين الذين أمر الرّسول عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهم : أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا [ الأنعام : 164 ] ؛ وذلك يذكّر بأنّهم سيصيرون إلى ما صار إليه أولئك . فموقع هذه عقب قوله : ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ [ الأنعام : 164 ] تذكير بالنّعمة ، بعد الإنذار بسلبها ، وتحريض على تدارك ما فات ، وهو يفتح أعينهم للنّظر في عواقب الأمم وانقراضها وبقائها . ويجوز أن يكون الخطاب للرّسول عليه الصّلاة والسّلام والأمّة الإسلاميّة ، وتكون الإضافة على معنى اللام ، أي جعلكم خلائف الأمم التي ملكت الأرض فأنتم خلائف للأرض ، فتكون بشارة للأمّة بأنّها آخر الأمم المجعولة من اللّه لتعمير الأرض . والمراد : الأمم ذوات الشّرائع الإلهيّة وأيا ما كان فهو تذكير بعظيم صنع اللّه ومنّته لاستدعاء الشّكر والتّحذير من الكفر . والخلائف : جمع خليفة ، والخليفة : اسم لما يخلف به شيء ، أي يجعل خلفا عنه ، أي عوضه ، يقال : خليفة وخلفة ، فهو فعيل بمعنى مفعول ، وظهرت فيه التّاء لأنّهم لما صيّروه اسما قطعوه عن موصوفه . وإضافته إلى الأرض على معنى ( في ) على لوجه الأوّل ، وهو كون الخطاب للمشركين ، أي خلائف فيها ، أي خلف بكم أمما مضت قبلكم كما قال تعالى حكاية عن الرّسل في مخاطبة أقوامهم : وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ [ الأعراف : 69 ] - وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ [ الأعراف : 74 ] - عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [ الأعراف : 129 ] . والإضافة على معنى اللام على الوجه الثّاني وهو كون الخطاب للمسلمين . وفي هذا أيضا تذكير بنعمة تتضمّن عبرة وموعظة : وذلك أنّه لمّا جعلهم خلائف غيرهم فقد أنشأهم وأوجدهم على حين أعدم غيرهم ، فهذه نعمة ، لأنّه لو قدّر بقاء الأمم التي قبلها لما وجد هؤلاء . وعطف قوله : وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ يجري على الاحتمالين في المخاطب بقوله : جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ فهو أيضا عبرة وعظة ، لعدم الاغترار بالقوّة