الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
157
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والرّفعة ، ولجعل ذلك وسيلة لشكر تلك النّعمة والسّعي في زيادة الفضل لمن قصّر عنها والرّفق بالضّعيف وإنصاف المظلوم . ولذلك عقّبه بقوله : لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ أي ليخبركم فيما أنعم به عليكم من درجات النّعم حتّى يظهر للنّاس كيف يضع أهل النّعمة أنفسهم في مواضعها اللائقة بها وهي المعبّر عنها بالدّرجات . والدّرجات مستعارة لتفاوت النّعم . وهي استعارة مبنيّة على تشبيه المعقول بالمحسوس لتقريبه . والإيتاء مستعار لتكوين الرّفعة في أربابها تشبيها للتكوين بإعطاء المعطي شيئا لغيره . والبلو : الاختبار ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ [ البقرة : 155 ] . والمراد به ظهور موازين العقول في الانتفاع والنّفع بمواهب اللّه فيها وما يسرّه لها من الملائمات والمساعدات ، فاللّه يعلم مراتب النّاس ، ولكن سمّى ذلك بلوى لأنّها لا تظهر للعيان إلّا بعد العمل ، أي ليعلمه اللّه علم الواقعات بعد أن كان يعلمه علم المقدرات ، فهذا موقع لام التّعليل ، وقريب منه قول إياس بن قبيصة الطائي : وأقبلت والخطي يخطر بيننا * لأعلم من جبانها من شجاعها وجملة : إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ تذييل للكلام وإيذان بأنّ المقصود منه العمل والامتثال فلذلك جمع هنا بين صفة سَرِيعُ الْعِقابِ وصفة لَغَفُورٌ ليناسب جميع ما حوته هذه السّورة . واستعيرت السّرعة لعدم التردّد ولتمام المقدرة على العقاب ، لأنّ شأن المتردّد أو العاجز أن يتريّث وأن يخشى غائلة المعاقب ، فالمراد سريع العقاب في يوم العقاب ، وليس المراد سريعه من الآن حتّى يؤوّل بمعنى : كلّ آت قريب ، إذ لا موقع له هنا . ومن لطائف القرآن الاقتصار في وصف ( سريع العقاب ) على موكّد واحد ، وتعزيز وصف ( الغفور الرحيم ) بمؤكدات ثلاثة وهي إنّ ، ولام الابتداء ، والتّوكيد اللّفظي ؛ لأنّ ( الرّحيم ) يؤكّد معنى ( الغفور ) : ليطمئن أهل العمل الصّالح إلى مغفرة اللّه ورحمته ، وليستدعي أهل الإعراض والصدوف ، إلى الإقلاع عمّا هم فيه .