الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
155
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لمعنى المتاركة . ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . ثُمَّ للتّرتيب الرّتبي . وهذا الكلام يحتمل أن يكون من جملة القول المأمور به فيكون تعقيبا للمتاركة بما فيه تهديدهم ووعيدهم ، فكان موقع ثُمَّ لأنّ هذا الخبر أهمّ . فالخطاب في قوله : إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ خطاب للمشركين وكذلك الضّميران في قوله : بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ والمعنى : بما كنتم فيه تختلفون مع المسلمين ، لأنّ الاختلاف واقع بينهم وبين المسلمين ، وليس بين المشركين في أنفسهم اختلاف . فأدمج الوعيد بالوعيد . وقد جعلوا هذه الجملة مع التي قبلها آية واحدة في المصاحف . ويحتمل أن يكون المقول قد انتهى عند قوله : وِزْرَ أُخْرى فيكون قوله : ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ استئناف كلام من اللّه تعالى خطابا للنّبي صلى اللّه عليه وسلّم وللمعاندين له . و ( ثمّ ) صالحة للاستئناف لأنّ الاستئناف ملائم للتّرتيب الرّتبي ، والكلام وعيد ووعد أيضا . ولا ينافي ذلك أن تكون مع التي قبلها آية واحدة . والتّنبئة : الإخبار ، والمراد بها إظهار آثار الإيمان والكفر واضحة يوم الحساب ، فيعلموا أنّهم كانوا ضالّين ، فشبّه ذلك العلم بأنّ اللّه أخبرهم بذلك يومئذ وإلّا فإنّ اللّه نبأهم بما اختلفوا فيه من زمن الحياة الدّنيا ، أو المراد ينبّئكم مباشرة بدون واسطة الرّسل إنباء لا يستطيع الكافر أن يقول : هذا كذب على اللّه ، كما ورد في حديث الحشر : « فيسمعهم الدّاعي ليس بينهم وبين اللّه حجاب » . [ 165 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 165 ] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 165 ) يظهر أنّ هذا دليل على إمكان البعث ، وعلى وقوعه ، لأنّ الذي جعل بعض الأجيال خلائف لما سبقها ، فعمروا الأرض جيلا بعد جيل ، لا يعجزه أن يحشرها جميعا بعد انقضاء عالم حياتها الأولى . ثمّ إنّ الذي دبّر ذلك وأتقنه لا يليق به أن لا يقيم بينهم ميزان الجزاء على ما صنعوا في الحياة الأولى لئلا يذهب المعتدون والظّالمون فائزين بما جنوا ، وإذا كان يقيم ميزان الجزاء على الظّالمين فكيف يترك إثابة المحسنين ، وقد أشار إلى الشقّ الأول قوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ ، وأشار إلى الشقّ الثّاني قوله :