الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
154
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بالربوبيّة لأنّها مربوبة أيضا للّه تعالى . وقوله : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها من القول بالمأمور به ، مفيد متاركة للمشركين ومقتا لهم بأنّ عنادهم لا يضرّه ، فإنّ ما اقترفوه من الشّرك لا يناله منه شيء فإنّما كسب كلّ نفس عليها ، وهم من جملة الأنفس فكسبهم عليهم لا يتجاوزهم إلى غيرهم . فالتّعميم في الحكم الواقع في قوله : كُلِّ شَيْءٍ فائدته مثل فائدة التّعميم الواقع في قوله : وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ . ودلّت كلمة ( على ) على أنّ مفعول الكسب المحذوف تقديره : شرّا ، أو إثما ، أو نحو ذلك ، لأنّ شأن المخاطبين هو اكتساب الشرّ والإثم كقوله : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 52 ] ولك أن تجعل في الكلام احتباكا تقديره : ولا تكسب كلّ نفس إلّا لها ولا تكتسب إلا عليها فحذف من الأول لدلالة الثّاني وبالعكس إذا جربت على أن ( كسب ) يغلب في تحصيل الخير ، وأنّ ( اكتسب ) يغلب في تحصيل الشرّ ، سواء اجتمع الفعلان أم لم يجتمعا . ولا أحسب بين الفعلين فرقا ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] . والمعنى : أنّ ما يكتسبه المرء أو يكسبه لا يتعدى منه شيء إلى غيره . وقوله : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى تكملة لمعنى قوله : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها فكما أنّ ما تكسبه نفس لا يتعدّى منه شيء إلى غيرها ، كذلك لا تحمل نفس عن نفس شيئا ، والمعنى : ولا أحمل أوزاركم . فقوله : وازِرَةٌ صفة لموصوف محذوف تقديره : نفس ، دلّ عليه قوله : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ، أي لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى . والوزر : الحمل ، وهو ما يحمله المرء على ظهره ، قال تعالى : وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ [ طه : 87 ] ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ [ الأنعام : 31 ] . وأمّا تسمية الإثم وزرا فلأنّه يتخيّل ثقيلا على نفس المؤمن . فمعنى لا تَزِرُ وازِرَةٌ لا تحمل حاملة ، أي لا تحمل نفس حين تحمل حمل أي نفس أخرى غيرها ، فالمعنى لا تغني نفس عن نفس شيئا تحمله عنها ، أي كلّ نفس تزر وزر نفسها ، فيفيد أنّ وزر كلّ أحد عليه وأنّه لا يحمل غيره عنه شيئا من وزره الذي وزره وأنّه لا تبعة على أحد من وزر غيره من قريب أو صديق ، فلا تغني نفس عن نفس شيئا ، ولا تتّبع نفس بإثم غيرها ، فهي إن حملت لا تحمل حمل غيرها . وهذا إتمام