الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

15

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [ البقرة : 124 ] أي عمل بهنّ دون تقصير ولا ترخّص ، وقوله تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا [ الأعراف : 137 ] أي ظهر وعده لهم بقوله : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ [ القصص : 5 ] الآية ، ومن هذا المعنى قوله تعالى : وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ [ الصف : 8 ] أي محقّق دينه ومثبته ، لأنّه جعل الإتمام في مقابلة الإطفاء المستعمل في الإزالة مجازا أيضا . وقوله : كلمات ربك قرأه الجمهور - بصيغة الجمع - وقرأه عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، ويعقوب ، وخلف : كلمة - بالإفراد - فقيل : المراد بالكلمات أو الكلمة القرآن ، وهو قول جمهور المفسّرين ، ونقل عن قتادة ، وهو الأظهر ، المناسب لجعل الجملة معطوفة على جملة : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ [ الأنعام : 114 ] . فأمّا على قراءة الإفراد فإطلاق الكلمة على القرآن باعتبار أنّه كتاب من عند اللّه ، فهو من كلامه وقوله . والكلمة والكلام يترادفان ، ويقول العرب : كلمة زهير ، يعنون قصيدته ، وقد أطلق في القرآن ( الكلمات ) على الكتب السّماوية في قوله تعالى : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النبي الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ [ الأعراف : 158 ] أي كتبه . وأمّا على قراءة الكلمات بالجمع فإطلاقها على القرآن باعتبار ما يشتمل عليه من الجمل والآيات . أو باعتبار أنواع أغراضه من أمر ، ونهي ، وتبشير ، وإنذار ، ومواعظ ، وإخبار ، واحتجاج ، وإرشاد ، وغير ذلك . ومعنى تمامها أنّ كلّ غرض جاء في القرآن فقد جاء وافيا بما يتطلّبه القاصد منه . واستبعد ابن عطيّة أن يكون المراد من كلمات ربك - بالجمع أو الإفراد - القرآن ، واستظهر أنّ المراد منها : قول اللّه ، أي نفذ قوله وحكمه . وقريب منه ما أثر عن ابن عبّاس أنّه قال : كلمات اللّه وعده . وقيل : كلمات اللّه : أمره ونهيه ، ووعده ، ووعيده ، وفسّر به في « الكشاف » ، وهو قريب من كلام ابن عطيّة ، لكنّ السّياق يشهد بأنّ تفسير الكلمات بالقرآن أظهر . وانتصب صِدْقاً وَعَدْلًا على الحال ، عند أبي عليّ الفارسي ، بتأويل المصدر باسم الفاعل ، أي صادقة وعادلة ، فهو حال من كلمات وهو المناسب لكون التّمام بمعنى التّحقّق ، وجعلهما الطّبري منصوبين على التّمييز ، أي تمييز النّسبة ، أي تمّت من جهة الصّدق والعدل ، فكأنّه قال : تمّ صدقها وعدلها ، وهو المناسب لكون التمام بمعنى بلوغ الشّيء أحسن ما يطلب من نوعه . وقال ابن عطيّة : هذا غير صواب . وقلت : لا وجه لعدم تصويبه . والصّدق : المطابقة للواقع في الإخبار : وتحقيق الخبر في الوعد والوعيد ، والنّفوذ