الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

14

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مثل هذا الخطاب ، أي فلا تكوننّ - أيّها السّامع - من الممترين ، أي الشّاكين في كون القرآن من عند اللّه ، فيكون التّفريع على قوله : مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ أي فهذا أمر قد اتّضح . فلا تكن من الممترين فيه . ويحتمل أن يكون المخاطب الرّسول عليه الصلاة والسلام ، والمقصود من الكلام المشركون الممترون ، على طريقة التّعريض ، كما يقال : ( إياك أعني واسمعي يا جاره ) . ومنه قوله تعالى : وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] . وهذا الوجه هو أحسن الوجوه ، والتفريع فيه كما في الوجه الثّاني . وعلى كلّ الوجوه كان حذف متعلّق الامتراء لظهوره من المقام تعويلا على القرينة ، وإذ قد كانت هذه الوجوه الثّلاثة غير متعارضة ، صحّ أن يكون جميعها مقصودا من الآية . لتذهب أفهام السامعين إلى ما تتوصّل إليه منها . وهذا - فيما أرى - من مقاصد إيجاز القرآن وهو معنى الكلام الجامع ، ويجيء مثله في آيات كثيرة ، وهو من خصائص القرآن . [ 115 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 115 ] وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 115 ) هذه الجملة معطوفة على جملة : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً [ الأنعام : 114 ] لأنّ تلك الجملة مقول قول مقدّر ، إذ التّقدير : قل أفغير اللّه أبتغي حكما باعتبار ما في تلك الجملة من قوله : وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا [ الأنعام : 114 ] فلمّا وصف الكتاب بأنّه منزّل من اللّه ، ووصف بوضوح الدّلالة بقوله : وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا [ الأنعام : 114 ] ثمّ بشهادة علماء أهل الكتاب بأنّه من عند اللّه بقوله : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ [ الأنعام : 114 ] ، أعلم رسوله عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بأنّ هذا الكتاب تامّ الدلالة ، ناهض الحجّة ، على كلّ فريق : من مؤمن وكافر ، صادق وعده ووعيده ، عادل أمره ونهيه . ويجوز أن تكون معطوفة على جملة : و جَعَلْنا لِكُلِّ نبيء عَدُوًّا وما بينهما اعتراض ، كما سنبيّنه . والمراد بالتمام معنى مجازي : إمّا بمعنى بلوغ الشّيء إلى أحسن ما يبلغه ممّا يراد منه ، فإنّ التّمام حقيقته كون الشّيء وافرا أجزاءه ، والنقصان كونه فاقدا بعض أجزائه ، فيستعار لوفرة الصّفات التي تراد من نوعه ؛ وإمّا بمعنى التّحقّق فقد يطلق التّمام على حصول المنتظر وتحقّقه ، يقال : تم ما أخبر به فلان ، ويقال : أتم وعده ، أي حقّقه ، ومنه