الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
127
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هو الوجه في تفسير قوله : وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا . وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بأمر العهد وصرف ذهن السّامع عند ، ليتقرّر في ذهنه ما يرد بعده من الأمر بالوفاء ، أي إن كنتم ترون الوفاء بالعهد مدحة فعهد اللّه أولى بالوفاء وأنتم قد اخترتموه ، فهذا كقوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ - ثمّ قال - وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [ البقرة : 217 ] . ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . تكرار لقوله المماثل له قبله ، وقد علمت أنّ هذا التّذييل ختم به صنف من أصناف الأحكام . وجاء مع هذه الوصيّة بقوله : لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ لأنّ هذه المطالب الأربعة عرف بين العرب أنّها محامد ، فالأمر بها ، والتّحريض عليها تذكير بما عرفوه في شأنها ولكنّهم تناسوه بغلبة الهوى وغشاوة الشّرك على قلوبهم . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وعاصم في رواية أبي بكر ، وأبو جعفر ، ويعقوب : تذكرون - بتشديد الذال لإدغام التّاء الثّانية في الذال بعد قلبها - ، وقرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم في رواية حفص ، وخلف - بتخفيف الذال على حذف التّاء الثّانية تخفيفا - . [ 153 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 153 ] وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 153 ) الواو عاطفة على جملة : أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [ الأنعام : 151 ] لتماثل المعطوفات في أغراض الخطاب وترتيبه ، وفي تخلّل التّذييلات التي عقبت تلك الأغراض بقوله : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ الأنعام : 151 ] - لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الأنعام : 152 ] - لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وهذا كلام جامع لاتباع ما يجيء إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلّم من الوحي في القرآن . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وأبو جعفر : أن - بفتح الهمزة وتشديد النّون - . وعن الفراء والكسائي أنّه معطوف على : ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ [ الأنعام : 151 ] ، فهو في موضع نصب بفعل : أَتْلُ والتّقدير : وأتل عليكم أنّ هذا صراطي مستقيما .