الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

128

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وعن أبي عليّ الفارسي : أنّ قياس قول سيبويه أن تحمل ( أنّ ) ، أي تعلّق على قوله : فَاتَّبِعُوهُ ، والتّقدير : ولأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ، على قياس قول سيبويه في قوله تعالى : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ [ قريش : 1 ] . وقال في قوله تعالى : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً [ الجن : 18 ] المعنى : ولأنّ المساجد للّه فلا تدعوا مع اللّه أحدا اه . ف أَنَّ مدخولة للام التّعليل محذوفة على ما هو المعروف من حذفها مع ( أنّ ) و ( أن ) . وتقدير النّظم : واتّبعوا صراطي لأنّه صراط مستقيم ، فوقع تحويل في النّظم بتقدير التّعليل على الفعل الذي حقّه أن يكون معطوفا ، فصار التّعليل معطوفا لتقديمه ليفيد تقديمه تفرّع المعلّل وتسبّبه ، فيكون التّعليل بمنزلة الشّرط بسبب هذا التّقديم ، كأنّه قيل : لمّا كان هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف : وإن - بكسر الهمزة وتشديد النّون - فلا تحويل في نظم الكلام ، ويكون قوله : فَاتَّبِعُوهُ تفريعا على إثبات الخبر بأنّ صراطه مستقيم . وقرأ ابن عامر ، ويعقوب : « وأن » - بفتح الهمزة وسكون النّون - على أنّها مخفّفة من الثّقيلة واسمها ضمير شأن مقدر والجملة بعده خبره ، والأحسن تخريجها بكون أَنَّ تفسيرية معطوفة على : أَلَّا تُشْرِكُوا [ الأنعام : 151 ] . ووجه إعادة أَنَّ اختلاف أسلوب الكلام عمّا قبله . والإشارة إلى الإسلام : أي وأنّ الإسلام صراطي ؛ فالإشارة إلى حاضر في أذهان المخاطبين من أثر تكرّر نزول القرآن وسماع أقوال الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ، بحيث عرفه النّاس وتبيّنوه ، فنزّل منزلة المشاهد ، فاستعمل فيه اسم الإشارة الموضوع لتعيين ذات بطريق المشاهدة مع الإشارة ، ويجوز أن تكون الإشارة إلى جميع التّشريعات والمواعظ التي تقدّمت في هذه السّورة ، لأنّها صارت كالشّيء الحاضر المشاهد ، كقوله تعالى : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ * [ آل عمران : 44 ] . والصّراط : الطّريق الجادة الواسعة ، وقد مرّ في قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [ الفاتحة : 6 ] والمراد الإسلام كما دلّ عليه قوله في آخر السّورة : قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً [ الأنعام : 161 ] لأنّ المقصود منها تحصيل الصّلاح في الدّنيا والآخرة فشبّهت بالطّريق الموصل السّائر فيه إلى غرضه ومقصده . ولمّا شبّه الإسلام بالصّراط وجعل كالشّيء المشاهد صار كالطّريق الواضحة البيّنة فادّعي أنّه مستقيم ، أي لا اعوجاج فيه لأنّ الطّريق المستقيم أيسر سلوكا على السائر