الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
117
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الخروج عنه إلى سبل الضّلال وهو المفتتح بقوله : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [ الأنعام : 153 ] . وقد ذيّل كلّ قسم من هذه الأقسام بالوصاية به بقوله : ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ثلاث مرّات . و ( تعال ) فعل أمر ، أصله يؤمر به من يراد صعوده إلى مكان مرتفع فوق مكانه ، ولعلّ ذلك لأنّهم كانوا إذا نادوا إلى أمر مهمّ ارتقى المنادي على ربوة ليسمع صوته ، ثمّ شاع إطلاق ( تعال ) على طلب المجيء مجازا بعلاقة الإطلاق فهو مجاز شائع صار حقيقة عرفية ، فأصله فعل أمر لا محالة من التعالي وهو تكلّف الاعتلاء ثمّ نقل إلى طلب الإقبال مطلقا ، فقيل : هو اسم فعل أمر بمعنى ( اقدم ) ، لأنّهم وجدوه غير متصرّف في الكلام إذ لا يقال : تعاليت بمعنى ( قدمت ) ، ولا تعالى إليّ فلان بمعنى جاء ، وأيّا ما كان فقد لزمته علامات مناسبة لحال المخاطب به فيقال : تعالوا وتعالين . وبذلك رجّح جمهور النّحاة أنّه فعل أمر وليس باسم فعل ، ولأنّه لو كان اسم فعل لما لحقته العلامات ، ولكان مثل : هلمّ وهيهات . و أَتْلُ جواب تَعالَوْا ، والتّلاوة القراءة ، والسّرد وحكاية اللّفظ ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [ البقرة : 102 ] . و أَلَّا تُشْرِكُوا تفسير للتّلاوة لأنّها في معنى القول . وذكرت فيما حرّم اللّه عليهم أشياء ليست من قبيل اللّحوم إشارة إلى أنّ الاهتمام بالمحرّمات الفواحش أولى من العكوف على دراسة أحكام الأطعمة ، تعريضا بصرف المشركين همّتهم إلى بيان الأطعمة وتضييعهم تزكية نفوسهم وكفّ المفاسد عن النّاس ، ونظيره قوله : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ - إلى قوله - إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها [ الأعراف : 32 ، 33 ] الآية . وقد ذكرت المحرّمات : بعضها بصيغة النّهي ، وبعضها بصيغة الأمر الصّريح أو المؤوّل ، لأنّ الأمر بالشّيء يقتضي النّهي عن ضدّه ، ونكتة الاختلاف في صيغة الطّلب لهاته المعدودات سنبيّنها . وأن تفسيرية لفعل : أَتْلُ لأنّ التّلاوة فيها معنى القول . فجملة : أَلَّا تُشْرِكُوا في موقع عطف بيان . والابتداء بالنّهي عن الإشراك لأنّ إصلاح الاعتقاد هو